«ربما بالمسدس يموت الإنسان ولكنه بالتأكيد لا يُمحى»

(عبد الأمير جرص)

القدس المحتلة | لسنا وحدنا الفلسطينيين والعرب من يقف في الذكرى السادسة والعشرين لاستشهاد ناجي العلي (1937 ـــــ 29 آب/ أغسطس 1987)، فحلقة أصدقاء ناجي تتسع بقدر ما كان قلبه ووعيه يتسعان للإنسان. فنّ ناجي مثل كل الأعمال العظيمة تتجدد وتتجوهر بمرور الوقت، وإذا كنّا نظن أننا نعرف فنّه فسرعان ما سنتأكد أنه يتعدى المعرفة الشائعة عنه، وأن ثمة كثيراً مما لا نعرفه عن تجربة حسّاسة للغاية معمّدة بالبسالة المطلقة وأخيراً بدم صاحبها. ما يجعل التأمّل فيها تجربةً بحد ذاتها لا مجرّد إدراك لعناصر التجربة ووقائعها. أفكار ناجي المبثوثة في رسوماته هي اختباراته الشخصية وسيرته وقد انصهرت بتجربة وتاريخ شعبه ومجمل تاريخ المنطقة العربية بعذاباتها وتوق شعوبها. الفكرة العربية عنده، على سبيل المثال، لم تكن فكرة ثقافية بقدر ما هي استجابة لحركة التاريخ ووعي للذات. الهوية العربية عند ناجي، مدركة لتنوّع المجتمعات العربية الثقافي والعرقي والديني ومتصالحة مع مكوناتها بل ومحتفية بها. الهوية العربية عنده تتسع لكل الهويات الفرعية والهويات المؤسسة وهي أشبه بعقد اجتماعي وردّ على تعامل استعماري قديم يفترض منطقتنا طوائف وقبائل خارج حركة التاريخ.

ناجي كان فنّان شعب بما تعنيه الكلمة، ولم يكن فنان طائفة أو قبيلة أو حاكم. كان واعياً بهذا وله تصريحات بمضمون هذه الفكرة. هذا الوعي عند ناجي أغنى فنّه وجعله قادراً على تقديم انتاج عربي يستطيع أن يمسك الأحداث في بلدان عربية مختلفة بذات الحساسية والحرارة والعفوية التي كان يمسك بها الحدث الفلسطيني. وعلى مدار ربع قرن من الانتاج المترع بالتمرّد والغضب وفن السخرية فإن من الصعب الإمساك بشطحة يُشتمّ منها عنصرية ما. تركيبته النبيلة كانت تحميه.
ولعل ناجي هو أول من رسّخ صورة المسيح فلسطينياً بما لفنّه من طاقة إيصال جماهيرية. عانق ناجي المسيح معانقة الطفل لجدّه، ومن خلال مجموعة من رسوماته ردّ المسيح إلى مسالكه الشرقية، بفهمه المسيحية باعتبارها في الأساس ثورة مشاعية (الترجمة التي يفضلها هادي العلوي للشيوعية) انطلقت من أرضنا.
التقى ناجي في فنّه مع هذا الفهم الذي يعيد المسيحية إلى جذورها ومعناها الثوري، ضد الظلم ومن أجل الإنسان، سامية عن ادعاء الطوائف واحتكار أية أطراف سياسية وكهنوتية. ولا ننسى أن ملاعب طفولته بين الجليل وطبريا هي ذاتها ملاعب طفولة المسيح. علاقته الطبيعية بالأرض وقربه من الناس حلّا له كثيراً من العقد التي يعاني منها من يتورطون مع الأفكار المجرّدة. ومن هنا كان ليد المسيح على الصليب أن تلقي بحجر في واحدة من رسوم ناجي، قبل أن تلحقها آلاف الأيدي الفلسطينية في انتفاضة 1987.
ومما يدعو إلى مزيد من الإعجاب أن مسيحية ناجي الأصيلة الثورية الواسعة (وهو ابن العائلة المسلمة) لم تخدشها عنصرية محيطٍ كان مسيحياً بالمعنى الطائفي في سنوات اللجوء بلبنان. تجاوز وعي الفنان زمنَ الميليشيات «المسيحية» الفاقدة لأي صواب، والتي عرف أذاها مثل باقي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. العنصرية اللبنانية الموصوفة (والتي مهّدت لمذابح واضطهاد ــ مستمر حتى الآن ــ للاجئين الفلسطينيين في لبنان) لم تسلب ناجي ذرّة من صوابه السياسي والإنساني، لم يرد على العنصرية سوى بالسخرية منها وفضح بؤسها والتعالي النظيف عليها، وكشف ارتباط العنصريين بالمستغِلّين.
ناجي العلي، الذي لم يعتبر نفسه «مثقفاً»، كسر صورة المثقف والفنان العربي العاجز، الشبيه بالسلطات العربية التي يخدمها أو «ينتقدها». أخذ من الثقافة جوهرها وترك قشورها، تلك القشور التي عاش موهومون كثر سعداء بها. والذي يرى الاهتمام المتنامي بفن ناجي حول العالم بدون مؤسسة واحدة تعتني بتراثه، فإنه لابد أن يتعلم درس ناجي الذي يقول إن الفنان العربي يستطيع أن يكون «عالمياً» وبمعنى الكلمة بدون أن يعترف باسرائيل. أن يكون راديكالياً في التمّسك بحقوق المستضعفين والدفاع عن حقوق الناس وإنساناً لا حدود لرحابة إنسانيته. الراديكالية كما يعلمنا ناجي هي فائض حب وعطاء واستعداد للفداء وليست قسوة أو تخشباً. فن ناجي كما هو معروف ينتشر بقوة الدفع الذاتي، ورغم أن خالد ناجي العلي، وهو ابن أبيه شهامة، في غاية الكرم والتعاون في ما يخص إرث والده؛ فإن أعمال ناجي بحاجة حقاً إلى مؤسسة تدير هذا الإرث الكبير. وفي وقت يخلو العالم العربي تقريباً من المؤسسات، وتكاد كلمة مؤسسة أن تكون معادلاً موضوعياً لمقبرة أو ملجأ عجزة أو مغارة لصوص؛ فإن من الصعب أن يجد تراث ناجي العلي مؤسسة تليق به. إن متحف ناجي العلي، في ما يبدو، لن يقام إلا بانتصار فكرته والمشروع السياسي الذي رسم له طوال حياته وحدوث تغيير جذري في المنطقة العربية وبنيتها الثقافية. ويمكننا أن نتخيّل «متحف ناجي العلي» في مكان ما بين طبريا والناصرة، وبالطبع لآخرين الحق في أن يتخيلوا متحفاً لناجي في غير بلد عربي. وإن كنّا نستذكر ناجي وإرثه، فلا بد أن نستذكر رفيقة دربه السيدة أم خالد، وكم كان مؤثراً أن نعرف أنها كانت في بعض الصباحات تسبقه وتشغّل سيارته خشية أن تكون إحدى الجهات قد وضعت فيها عبوة ناسفة، كتلك التي وضعها الاسرائيليون في سيّارة غسان كنفاني.
أما الآن وقد تمرغت منطقتنا في كل الرذائل التي كان يرسم ضدّها (الطغيان والتفريط والتبعية والتناحر الداخلي وإطلاق وحش العنصريات والغرائز الدموية.. وسائر مسمَّيات الهزيمة)، وكل ما حرّضَنا على التقدّم نحوه صار أبعد (فلسطين ومشروع التحرّر والعدالة الاجتماعية). لماذا إذن نتشبث بذكراه كلّ سنة؟ لماذا لم يطع أحد واضعي بروتوكولات الذاكرة الذين قرروا أن علينا نسيان ما يمثلّه ناجي العلي؟ ولماذا لا يكف الناس في دنيا العرب عن فنّه والتعامل معه كأنه ما زال بيننا؟
كما في الحب، هناك ما يستعصي على التفسير، لكن جواب ما سبق يبدأ من حاجتنا اليوم في المنطقة العربية إلى فن ناجي العلي أكثر من أي لحظة سابقة. ليس لأن فن ناجي العلي يثبت راهنية ومستقبلية عجيبة، وليس لأن مجمل الأفكار والقيم التي ينهض عليها فنّه هي من صميم هذه الحاجة؛ بل لأن قوّة الفن عنده تتيح لهذه القيم والأفكار أن تتحول إلى وعي وضمير وإرادة. وهو ما نحتاج إليه لتجاوز «ظلمات العصور الوسطى»، الذين تُدفع إليها منطقتنا لصالح المستعمرة الدموية المسماة إسرائيل. تحقق «عصور وسطى» ودويلات طوائف عربية هو طوق النجاة الذي تنتظره المستعمرة.
ليست الحماسة ما يجعلنا نقول إن الاغتيال لم ينجح. هناك أشخاص، ببساطة، لا يمكن قتلهم. الإشارات التي زرعوها أعمق من أن تمحى. ثمة فنانون لا يمكن فصلهم عن الأفكار التي اعتنقوها وقدّموها في أعمالهم، ناجي من هؤلاء. ومثلما أصبحت مغنية عظيمة كالسيدة أم كثلوم معادلاً موضوعياً لمصر والقومية العربية بل وللمشروع الناصري؛ فإن ناجي أصبح جميع ما دافع عنه، فلسطين من النهر إلى البحر وكرامة الإنسان العربي ومقاومة الاستعمار والاستبداد ولعبة تبادل الأدوار بينهما. وإنه سيؤسينا حقاً في نهارات تحرير قادمة أن ناجي لن يكون في طليعة المحتفلين، ولكننا سنبتلع الغصة ونشرب كأسه، هذا إن كنا ما زلنا نمتلك جدارة هذا الكأس.