«لا يستطيع جسدي أن يمرّ مرور الكرام أمام ما يحدث في العالم العربي». تطلق نانسي نعوس صرخة مدوّية من خلال جسدين تتقطّع حركتهما مثلما تتقطّع أشلاء الأجساد في مجازر ثورات الربيع العربي. جسدان يختزلان ثورات وحروباً وتظاهرات وما يتعرّض له المواطن العربي آنياً في مشهدية قوية وأخّاذة حركياً وسمعياً وبصرياً منذ بداية عرض These Shoes Are Made For Walking حتّى نهايته (تصميم وإخراج نانسي نعوس). تحكي نانسي حكاية جسد ينتفض ولا ينتصر، يثور ولا يتحرّر، ينازع ولا يموت. لعلّ هذا الإحباط هو الذي دفع الى اعتماد حركة رقص تكسر مفهوم الانسيابية، فيصبح الرقص متقطّعاً كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد راقصين متمكّنين من التقنية والإحساس بشكل لافت هما الراقصان المتميّزان داليا نعوس ونديم بحسون.
تعتمد نانسي على اللعب على حركة الرقص الشعبي وتغيير إيقاعها لتصبح الحركة محمّلة بمعانٍ وقراءات مفتوحة. مثلاً في حركة هزّ الخصر، يسرع إيقاع الهز ويقتحم الجسد كله، فيقدم إلينا بصرياً معنى جديداً عن جسد يتعذب في بث الكهرباء فيه في إحدى غرف التعذيب، ولكل متفرّج قراءته. في لمحات قوية أخرى، تنفصل بعض الأطراف حركياً عن باقي الجسد من خلال حركة كبيرة متكرّرة، فتصبح هذه الأطراف كائنات مستقلة عن الجسد، مما يعبّر عن تشرذم بعض الأوطان العربيّة الى جزيئيّات كل منها مستقل عن الآخر.
قد يكون أهم ما قدِّم على الصعيد التقني هو العمل على كسر حركات الرقص الشعبي بديناميكية جسدية متفوّقة معاصرة، إذ إنّ هذه التقنية تعدّ مفتاحاً هاماً في كوريغرافيا نعوس، كما أنها المفتاح الأساسي في لغة الدراماتورجيا لأنها تحمل معاني معبّرة كتدهور تراثنا وهويتنا الثقافية في الحرب وما يعكس ذلك من تهديد لوجودنا. وقد تحمل حركات الرقص الشعبي المتقطّع الاحتمالَ المعاكس وهو فسحة الأمل في جسد ينازع. كل الاحتمالات مفتوحة على التناقض والالتباس اللذين نلحظهما في عناصر أخرى أيضاً من العرض، مثلاً، في استخدام الأغراض وفي أدوار الراقصيْن وفي علاقتهما في ما بينهما. في حين تحتل الكرسي الكبير جزءاً من الخشبة وقد تشير الى كرسي الدكتاتور، إلا أنّ الراقص يحاول ترك الكرسي. هذا الفعل يناقض ما يمكن أن يقوم به الدكتاتور. من هنا، تكتسب الكرسي احتمالات أخرى من المعاني كعجز المواطن المحبط عن الفعل الإيجابي. في العمل على موضوع الالتباس، تكون نانسي قد وضعت إصبعها على أهم عنصر في الحروب وبالتالي صوّرت العبثية الفوضوية لما يجري في عالمنا العربي: «تلتبس الأمور في العرض تماماً كما هي ملتبسة في مجريات الأحداث الحقيقية في هذه الحروب، فلا نعود نعرف من القاتل ومن المقتول»... بحسب نانسي تضيع الحدود الفاصلة.
تتشكّل لوحة رائعة في المشهد الأول من أطياف جسد تجتزئه إضاءة خافتة (تصميم هاغوب ديرغوغاسيان) فتجسّد مخزوناً صورياً متهافتاً لما يمكن أن يخوضه جسد الإنسان الثائر من تمرّد وتشوّه وعنف ومعاناة لا تنتهي على وقع موسيقى حيّة ومسجّلة (وائل قديح). هذا التزاوج الإبداعي بين حركة الجسد والإضاءة صوّر لنا رسوماً متسارعة تدهش العين بحيث يصعب اللحاق بكل تشكيل جسدي على حدة، فتمر من أمامنا رسوم متعددة لا تلحق العين التمعّن في واحدة منها كما هي الحال مع الأحداث المتسارعة في العالم العربي التي نفقد السيطرة عليها ولا نلحق أن نتمعّن بحدث حتى يأتي آخر. ثمّ سرعان ما تظهر الأغراض المختلفة في سينوغرافيا معبرة وموظّفة إخراجياً (تصميم سينثيا زهّار)، فتنمو علاقة بين الجسد والنفَس والأغراض في فضاء لعبي يطغى الكثير من المسرحة. فضاء تحدده بقع ضوئية، أجساد، كنبة، ميكروفون، وستاند يعلّق عليه حزام العفة تلبسه الراقصة، مما يشير الى حوادث الاغتصاب التي تحصل في تظاهرات مصر على صعيد خاص. أما على الصعيد الرمزي، فقد يشير ذلك الى الوطن العربي الذي فقد خصوبته وأقفل منابعه التي تؤدّي الى تطور الإنسان. لكن سرعان ما يصبح زنار العفّة أداة إيقاعية تراقص الجسدين المتعبين والمناضلين كبذلة رقص شرقية لنعود الى القراءة السابقة حول تدهور التراث الى الانهيار والتباسه مع فسحة الأمل. في هذا المشهد الأخير، تتحول حمالة الصدر (الصدر رمز الخصوبة) الى كمّامة تحمي من الغاز المسيل للدموع، وقد تشير الى السلاح الكيماوي الذي استخدم أخيراً في الغوطة. رمز الخصوبة الذي كان محور معظم الحضارات يصبح من دون أهمية في حضارتنا العربية الحديثة المليئة بالحروب. ينتهي العرض في هذه الصورة للمرأة والرجل ملثمين مقطوعي النسل والأوصال، يلفظان آخر ما تبقى من رقص الدبكة الشعبي المعطّل بعدما كانا في المشهد الأول شبه عاريين ومتمرّدين. يجسّد هذا التطور السلبي في الخط الدرامي تطوّر مسيرة الثورات العربية من ربيع عربي الى احتضار عربي. عرض لافت ومؤثر لمجموعة فرقة «٤١٢٠ جسداً» جدير بأن لا يفوَّت.

These Shoes Are Made For Walking:20:30 مساء اليوم وغد و22:00 مساء السبت ــــ «مسرح المدينة» (الحمرا ـ بيروت) للاستعلام: 01/753011




«لحظة تلاشي»

في عام 2008 قدّمت نانسي نعّوس مع فرقتها «4120 جسداً» عرضها الراقص «لحظة تلاشي» (الأخبار 26/11/2008) على خشبة «مسرح دوار الشمس» في بيروت، معلناً عن ولادة فنانة جديدة في عالم الرقص المعاصر. تأسست الفرقة في العام 2006 بين بيروت وباريس ويعود اسمها إلى عدد الكيلومترات التي تبعد لبنان عن فرنسا حيث تعمل الفرقة المختلطة. في «لحظة تلاشي» الذي يشمل عناصر ووسائط عدّة منها الوثائق البصرية على شاشات الفيديو، استمدّت نعوس فكرة عملها من الحرب والعنف والدمار وانعكاساتها على الجسد والمشاعر. هذه المسرحية الراقصة قدّمها ستة راقصين (كازومي فوشيغامي، داليا نعوس، راينر ريمونديار، بشارة عطا الله، ستيفن شيمبس، نانسي نعوس) على مدى أكثر من ساعة حول عدوان تموز وأحداث 7 أيار 2008.