الطاهر لبيب (1942) لم يترفّع عن الثورة، خلافاً لكثير من المثقفين العرب. عالم الاجتماع الذي عاش في بيروت 13 عاماً ولقّبه أصدقاؤه اللبنانيون بـ«زوربا التونسي» طرح باكراً أسئلة الثورة. وها هي شرارة التغيير التي أشعلها محمد البوعزيزي (كلاهما من سيدي بوزيد)، تدفع صاحب «سوسيولوجيا الغزل العربي» إلى قرار مغادرة بيروت نهائياً، وترك منصبه مديراً عاماً لـ«المنظمة العربية للترجمة». اختار أن يعود إلى وطنه الأم متفرّغاً للكتابة، ليعيش مرحلة ما بعد الثورة، بأحلامها وتردداتها وتحدياتها الكبرى. الباحث الذي أسهمت كتاباته في تفسير علاقة المجتمعات العربية بعامل الخوف، واستثماره في المجال السياسي، يعدّ نفسه محظوظاً لأنّه عايش في حياته ثورة لم ينتظرها في بلاده: «الثورة هي ثورة الممكن. ولأنّها كذلك، فمجرد حدوثها يبعث على التفاؤل.


وإذا استحضرت مقولة غرامشي، فأنا أقرب إلى تفاؤل الإرادة منه إلى تشاؤم العقل. تشاؤم العقل العربي تحوّل بؤساً ولم يُعط شيئاً، وتفاؤل الإرادة الشعبية أعطى ثورات عربية».
هذا التفاؤل يرده الطاهر لبيب إلى موقعه النخبوي بوصفه عالم اجتماع، مشيراً إلى أنّ الذين قاموا بالثورة من الشباب ويستعجلون مردودها، هم قطعاً أقلّ تفاؤلاً: «لقد تسلم مطالبهم ممثلون عنهم ليسوا بالضرورة منهم، وقد تفصلهم عن هذه المطالب مسافات المواقع وحسابات السياسة. وإذا كان الأمر ذلك، فهو ليس غريباً لأن من عادة الثورات أن تأكل أبناءها». الكاتب الذي أشرف على العديد من المؤلفات الجماعية مثل «غرامشي في العالم العربي» و«صورة الآخر: العربي ناظراً ومنظوراً إليه» يعتبر «وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر الانتخاب متوقعاً في مجتمعٍ ذي طبيعة مسلمة». لكنّه يلاحظ أنّ «ما يبدو مفاجئاً هو نسبة الأربعين في المئة التي حصل عليها الإسلاميون في الانتخابات. هذه النسبة المرتفعة في تونس ومصر هي التي جعلت الربيع العربي يبدو إسلامياً، ولو لفصل واحد. ومن حسن الحظّ أننا نستبعد في تونس، مبدئياً، عسكرة هذا الربيع». ثم يضيف «أخاف الدين السياسي وأخاف الحكم باسم الدين أينما كان. أنا قلق، طبعاً، بالنسبة إلى الحالة التونسية، لكن من دون خوف حتى الآن. القلق تعبيرٌ عن عدم ارتياح شخصي للنتائج، والخوف سياسيّ على مصير مجتمع».
يعود الطاهر لبيب إلى طبيعة المجتمع التونسي ليؤكد اطمئنانه إلى مصير الثورة التي لا يمكن لأحد اختطافها، لا الاسلاميون ولا سواهم. «المجتمع التونسي متجانسٌ نسبياً، وذو تقاليد مدنية متأثرة بالاجتهاد الديني، والانفتاح الفكري، والتسامح الاجتماعي، مع نزعة تحديثية سائدة. لا أرى أنّ هذا المجتمع، بما فيه من قوى مدنية ضاغطة، يتحمّل سلطةً دينية حاكمة سياسياً». بالنسبة إليه، المسألة ليست تفاؤلاً، بل مراهنة على المجتمع: «وجود الإسلاميين في السلطة يتطلّب منهم مهادنة هذا المجتمع والتنازل عن بعض مقومات حركتهم كحركة دينية، بما في ذلك التنازل عن التطبيق المتشدّد لبعض أحكام الشريعة». ويضيف: «أعتقد أن حركة «النهضة» فهمت ذلك. هي تعلم أنّ الذين صوتوا لها صوتّوا في الدرجة الأولى لمضطهدين واجهوا النظام السابق، وأن ناخبيهم ليسوا كلّهم إسلاميين. المتديّنون أنفسهم قد يكونون صوّتوا للإسلام أكثر مما صوتوا للإسلاميين. لذلك يمكن اعتبار انتصار الإسلاميين الانتخابي بروفة أولى مستعجلة وعفوية، لمسرحة الديمقراطية في انتظار حسم الخيارات والمسارات التي لم تنضج بعد. لننتظر نتائج الانتخابات التشريعية القادمة للتأكد».
الأكاديمي والمدير العام للترجمة في «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» (الأليكسو) يرى أنّ المجتمع هو الذي سيفرز هذه المسارات. «يبدو أنّ «النهضة» فهمت ذلك، فبدأت في مستوى الخطاب تعلن التحول من حركة تريد أن تحكم باسم الدين إلى حركة محافظة بالضرورة، لكنّها تقبل ما يسمّى لعبة ديمقراطية». والدليل «أنّه في احتفالات الذكرى الأولى للثورة، لم تطغ شعارات دينية على المناسبة بل استحضرت الشعارات الأولى حول الحرية والكرامة والخبز، وبقيت، سياسياً، في حدود ثالوث المدنية والديمقراطية والتوافقية».
أما عن «النموذج التركي» الذي يكثر الحديث عنه، ومدى اقتراب الحالة التونسيّة منه، فيقول لبيب: «بغض النظر عن خصوصيته، فخطاب القيادة النهضوية يريد أن يوحي بإمكانية سلطة إسلامية في مجتمعٍ علماني. لكن مهما كان هذا الخطاب، فالخوف يبقى قائماً من قاعدة «النهضة» التي تبقى غير واضحة المعالم، خصوصاً بعدما أصبحت لها تخوم سلفية مرعبة. أما إذا دفعتُ بالتفاؤل أو بالمراهنة على المجتمع إلى أقصى حد، فإنّي لا أستبعد أن يجد الإسلاميون أنفسهم يوماً في مواجهة مجتمعٍ مدني واسع وقوي، خصوصاً عندما يحاولون التشريع لسلوكات وأخلاقيات تعوّض ما قد يبدو لهم تنازلاً من جهة الشريعة».




تلك بيروته


ليس سهلاً على الطاهر لبيب مغادرة بيروت التي أتاها عام 1999. أشياء كثيرة أحبّها المفكر التونسي في هذه المدينة. هناك مزاجية بيروت التي تطابق مزاجيته كما يقول، «وسيولة العلاقات فيها التي تبلغ حد الفوضى، وكثافة التنوع في الحمرا التي يعتبرها الفضاء الأصدق تعبيراً عن لبنانية لبنان». وهناك «لولبيّة المرأة اللبنانية عندما يكون الجمع فيها بين الجمال والذكاء أو عندما تحتفل بحبّها، وأيضاً حرية الفرد التي تواجه تسلّط الطائفية السياسيّة».