يتداخل الهاجس السياسي مع الهاجس الشعري لدى الشاعر العراقي عواد ناصر (1950). لا يختصر هذا التداخل تجربته، لكنّ السياسة تظل هاجساً يتحرك تحت سطح القصائد التي تضمّها مختارات شعرية صدرت له بعنوان «أحاديث المارة» (دار المدى). تحضر السياسة بنحو مباشر، أو موارب، أو تذوب كموضوعاتٍ وأفكارٍ إنسانية داخل إطارٍ شعري أوسع. لا يستغرب القارئ ذلك ما دام أغلب الشعر العراقي المعاصر، وخصوصاً تجارب السبعينيات، قد تزامن ظهوره ونضوجه مع حالة سياسية مضطربة شهدت قمعاً واستبداداً، قبل أن تنتهي بحروبٍ عبثية وحصارٍ دولي واحتلال أميركي. ظهرت بدايات عواد ناصر في تلك الحقبة. شارك في أمسيات طلابية. نشر بواكيره في صحافة الحزب الشيوعي العراقي. لم يُكتب للتجربة أن تواصل نضوجها الطبيعي إلى جوار تجارب أقرانه، إذ دفعت القبضة القمعية لنظام صدام حسين بمعظمهم إلى المنافي. هكذا، وجد الشاعر نفسه في بيروت في نهاية السبعينيات. عمل في الصحافة الفلسطينية، ثم التحق بمقاتلي الحزب الشيوعي في كردستان العراق، وعاد بعد ثلاث سنوات إلى دمشق، ومنها إلى لندن التي لا يزال مقيماً فيها منذ عام 1992.


كتب ناصر قصيدة التفعيلة بلغة متينة ذات إيقاعات غير عالية، مستدرجاً صورها الموزونة إلى تأمّل أبطأ من حركتها المفترضة. تجنّب كتابة قصائد طويلة أعفاه من التنامي الدرامي الذي (قد) يطيح المعاني لمصلحة الأداء الإيقاعي والبلاغي. هكذا، ظلّت الدراما النفسية وآلامها داخل قصائد قصيرة ومتوسطة الطول، ومكتوبة بحساسية متأنيّة تؤرّخ حالاتٍ شخصية ومشاهد واقعية تحدث في المنفى، أو تُستعاد من سيرة المكان الأول، أو تسجّل تجربة نضالية مباشرة في كردستان. الأشكال ليست مهمة ما دام «من ينجبُ طفل المعنى لا يسمع نثر الموسيقى»، وما دام الشاعر يبحث عن القصيدة الضائعة: «أنا القصيدة الضائعة التي لم يعثر عليها الشاعر/ بعد أن بحث عني كثيراً/ في كلّ مرةٍ يعتقد بأنّه عثر عليّ/ فيكتبني/ لكنّني لم أكن أنا القصيدة الضائعة».
تصدر المختارات بعد امتناع عشرين سنة عن النشر، وتضمّ غالبية نتاج الشاعر في العقدين الأخيرين، إلى جانب قصائد أخرى منتقاة من مجموعاته السابقة. لا نرى تغيرات دراماتيكية أو منعطفات مفصلية في انتقالنا الزمني بين القصائد. كأنّ صاحب «من أجل الفرح أعلن كآبتي» (1982)، كتب قصيدة واحدة تطوّرت داخل نفسها. كأنّه حفر في الموضع الذي بدأ به، بينما تكفّلت الخبرة والممارسة بجعل مكونات القصيدة مطواعةً أكثر، ومعجمها أكثر استقراراً. هكذا، تصبح الكتابة نفسها موضوعاً للشعر: «يا أبي:/ أنا بيتٌ طالما اختلّ بنائياً/ عَروضٌ خاملٌ والليل في البيداء/ هذا وتدٌ راخٍ، بفعل الكأس، لكن سببي/ يجعل «ميري» تحسن الظنّ بجدوى خببي/ وذراعا مريم الأندلسية/ تسقطان الآن من حافة كأس الجن/ والدنيا بلاغٌ كاذبٌ عن فاعلاتٍ فاعلاتٍ فاعلاتْ/ مثل نصّ يدعي قول الحقيقة/ مثل نصّي».
تسرّبت موضوعات مختلفة إلى القصيدة، لكنّها ظلّت محتفظة بعلاقتها القويّة مع موروثات الشعرية العربية الكلاسيكية، وعلاقة مستجدّة مع شعرية التفاصيل والحياة اليومية. في الحالتين، ظلّت مذاقات الوطن والمنفى تتناوب على الحضور. في قصيدة «رسوم متحركة»، تحضر الحرب: «القصة مسلية/ وكوميدية بامتياز/ الطفل يضحك بصوتٍ عالٍ أمام شاشة التلفزيون/ والأم، وحيدةً، تكتب رسالة إلى الأب/ في جبهة الحرب/ حيث يهطل المطر بغزارة/ على أجسادٍ عارية»، وفي قصيدة «تحية العلم» يوثّق زمن الاحتلال: «دخلوا علينا بتدبيرٍ مسبقٍ فعرفنا أنّ الكتابة تحت القصف/ سلحفاةٌ مذعورةٌ تقتفي أثر نفسها تحت ظلّ الدبابة الغريبة/ من الآن فنازلاً يقف حمورابي عارياً، بمواجهة الكلب المدرّب في أبو غريب»، بينما في قصيدة «إلى أبي جعفر المنصور»، يستعيد سيرة بغداد التي فتكت بأبنائها: «قلتُ لا تبنِها/ يا أبا جعفرٍ/ سوف تطردنا واحداً واحداً/ وستكسر أجنحة العندليب بماء شناشيلها/ ليتَ تعدِلُ عمّا نويتَ/ فكعبتنا ما انتضت سيفها عندما أبصرت فيلها/ ما بنا تستبدُّ بنا/ ثم يودي بنا حبّنا/ قلتُ لا تبنِها/ إنها فتكت بابنها». هكذا، ظلّت قصائد عواد ناصر محكومة بالإصغاء إلى شروط الواقع الضاغط. «الشاعر أخطر المهربين/ بين دولة الواقع ودولة الخيال»، يقول في قصيدة «شظايا»، لكن هذا النوع من التهريب يظل ترفاً في زمن من الدكتاتورية والاحتلال والمنفى.