الجزائر | لم تتوقّف الفنانة الجزائرية بيونة (باية بوزار ـــ 1952) عن إثارة الجدل منذ استقرارها في باريس قبل سنوات. صاحبة الصوت الأجش أثارت موجة من الجدل بعد حلولها ضيفة الأسبوع الماضي على برنامج «لم ننم بعد» الذي يقدّمه لوران روكييه على قناة «فرانس 2». فقد ظهرت ثملة وهي تقهقه. وعلى الشاشة الفرنسيّة الجماهيريّة، تلفّظت بعبارات وُصفت بغير اللائقة، لتعترف بأنّها مثّلت في أفلام بورنو. وخلال الحلقة، سألها المقدّم عن رأيها بصعود الإسلاميين في العالم العربي، فأجابت بأنّ الإسلاميين يحبونها «لأنّهم يحترمون الأشخاص الواضحين والصريحين». وقد اعتبرت نفسها معارضة، وأنّ ما تقوم به يزعج سياسيي الجزائر.


هذه الحلقة انتشرت بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت موجة من السخرية والاستياء في بعض الأوساط الجزائرية، بلغت الدعوة إلى حد مقاطعة الفنانة ومنعها من دخول البلاد. وشنّت بعض الصحف المحلية حملة على الفنانة الجريئة، معتبرة أنّها تشوّه صورة الجزائر. لكنّ صاحبة ألبوم «شقراء في القصبة» اعتادت هذه الحملات، وهي تتحصّن بقاعدة كبيرة من المعجبين، وتدعو إلى احترام الحريّات الشخصيّة، وتتعاطف مع الأقليّات والمجموعات المضطهدة وتناصر حقوق المثليين.
بعض ملامح حياتها الصاخبة شكّلت محوراً لعرض «وان وومان شو» بعنوان «بيونة»، تقدّمه الفنانة حالياً على خشبة مسرح «مارينييه» في باريس حتى 31 آذار (مارس). تتوقف في عرضها الكوميدي عند أهم محطات حياتها، منذ طفولتها، مروراً بنجوميتها في الجزائر، ثم هجرتها والصعوبات التي واجهتها في الحصول على التأشيرة. كما تتناول بأسلوب ساخر ظواهر مستمدة من المجتمع الجزائري والجالية المغاربية في فرنسا. ولأن بيونة لا تكتفي بالمسرح، فهي تعمل على استكمال ألبومها الغنائي الجديد، وتستعد لخوض تجارب سينمائية جديدة، منها فيلم مع المخرج الجزائري المشاكس مرزاق علواش بعنوان «حوض الجزائر».
وزّعت بيونة نشاطها الفنيّ بين السينما والمسرح والموسيقى. شاركت في مجموعة من الأفلام، منها ثلاثة مع المخرج الجزائري نذير مكناش، كان آخرها «ديليس بالوما» الذي جسّدت فيه دور بائعة هوى تُدعى «ألجيريا» (الجزائر). تعرّض الفيلم لانتقادات واسعة، وواجه المصير ذاته الذي لقيه سابقاه «حريم السيد عصمان» و«فيفا لالجيري» اللذان مُنعا في بلد المليون ونصف مليون شهيد. وأخيراً، عادت الفنانة الجزائرية إلى الأضواء بعد مشاركتها في فيلم «نبع النساء» للمخرج الفرنسي رادو ميهيلانو. مما عرّضها لهجمات إسلامية في المغرب بسبب مضمونه الجريء الذي يتناول قصة نساء يتمردن على رجالهن في جبال الأطلس الأمازيغية ويعلنّ امتناعهن عن الجنس. وبلغت هذه الاتهامات حدّ الادعاء بأنّ المخرج المتحدر من أصل يهودي يحمل الجنسية الاسرائيلية.
خيارات بيونة على المستويين الفني والشخصي كلّفتها أثماناً باهظةً. بعدما كانت نجمة التلفزيون الأولى من دون منازع، وقدّمت طوال سنوات أدواراً كوميدية في عددٍ من المسلسلات الناجحة، مثل المسلسل الفكاهي «ناس ملاح سيتي» بأجزائه الثلاثة (إخراج جعفر قاسم)، باتت ممنوعة من الظهور على التلفزيون الجزائري. وكانت الشاشة الرسميّة قد قدّمتها للمرة الأولى عام 1974، في مسلسل «الحريق» الذي أخرجه الراحل مصطفى بديع عن ثلاثية الأديب الراحل محمد ديب.
«الطبعة الفرنسية»، من بيونة كانت نقمة عليها بقدر ما كانت نعمة. التجربة الباريسية كشفت عبقريتها في التمثيل وفجّرت مواهبها وطاقاتها الفنية المتعدّدة في السينما والمسرح والغناء. حتى إنّ كثيرين توقّعوا لها الوصول إلى العالمية. كما وفّرت لها ظروفاً اجتماعية لم تكن تحلم بها في بلدها الأم الذي غادرته عام 1998. في تلك المرحلة، أثارت ضجةً بعد محاولتها الانتحار بسبب أزمة مادية.
كان دخولها عالم الموسيقى عام 2001 مفاجأة للجميع. أصدرت ألبومRaid Zone تضمّن عشر أغنيات، بعضها مقتبس من أعمال قدامى المغنّين الجزائريين، بصوتها النسائي الجهوري والمنكسر. جاء المشروع بمبادرة من المنتج الموسيقي جون بانيوليت، لكنّه لم ينل الانتشار المرجوّ. ولم تحقق بيونة الشهرة في مجال الغناء، إلا مع ألبومها الثاني «شقراء في القصبة» (2006) في إحالة إلى أحد أحياء العاصمة الجزائرية الشعبية الشهيرة. على أنغام البيانو والماندولين، استعادت أغنيات جزائريّة قديمة، منها «البارح» للهاشمي قروابي، و«تزعبلي» و«تميلي» لفضيلة الدزيرية، و«الشمعة» لكمال مسعودي ... وغنّت فيه إلى جانب نجمة السبعينيات الفرنسيّة باتريسيا كارلي.
تجربتها الفرنسيّة، محت الممثّلة الكوميدية التي كان الجزائريون يجتمعون على أعمالها. صورة لم تفلح في إعادتها رغم محاولاتها المتكرّرة. باتت صورة الممثّلة الجريئة ذات الإمكانات الدرامية المدهشة، والمغنية ذات الصوت الاستثنائي، تسير جنباً إلى جنب مع صورة الممثّلة التي اتُّهمت بالإباحية وشُنّت عليها حملات إعلامية شعواء.

«بيونة»: حتى 31 آذار (مارس) المقبل ـــ «مسرح مارينيي» (باريس).
www.theatremarigny.fr




كتاب مفتوح

ردت بيونة أخيراً على الانتقادات التي طاولتها بعد ظهورها في برنامج «لم ننم بعد» من خلال رسالة مصوّرة عبر فايسبوك. وقالت إنّ «الأشخاص الذين يكرهونها» ضخّموا الأمر. ورفضت الإدلاء بأي بتصريح للصحافة الجزائرية التي تتهمها بتشويه سمعتها، مؤكدة: «أنا نقيّة ولست منافقة، والجميع يعرف أنّني كتاب مفتوح. انظروا ماذا يفعل المنافقون عندكم»، قبل أن تضيف: «لن ينجحوا في تحطيمي. لي الله وجمهوري».