أخيراً، سيُنقل رفات الفنان الأمازيغي سليمان عازم (1918ـــ 1983) من مقبرة مواساك (جنوب فرنسا) إلى مقبرة أقني قغران في تيزي وزو في الجزائر، ليفتح باب السؤال واسعاً عن سبب الاعتراف به في هذا الوقت تحديداً، بعد نصف قرن من المنع وفرض الرقابة على أعماله الفنية، الموسيقية والمسرحية.

منذ مطلع الخمسينيات، أدّى سليمان عازم دوراً مهماً في التعريف بالموروث الثقافي الأمازيغي في فرنسا، وأسهم في تطوير الأغنية الأمازيغية وإثرائها، ووضعها ضمن إطارها الملتزم.

في عاصمة الأنوار التي دخلها ككهربائي بسيط في الميترو، وجد فرصةً لتسجيل أوّل ألبوماته وإحياء أولى حفلاته، وإخراج الأغنية القبائلية إلى دائرة الضوء. حقّق شعبية كبيرة وسجّل نجاحات أرادها مكسباً وانتصاراً للثقافة الأمازيغية، لكنّه لم يكن يعلم أنّ ذلك سيجلب عليه ويلات الحكومة الوطنية في الجزائر، التي منعت صوته في الإذاعة والتلفزيون، رغم الشعبية الواسعة التي كان يتمتع بها. وقد تجسّدت بحصوله على جائزة «القرص الذهبي» التي منحته إياها شركة «باتي ماركوني» عام 1970، بعدما بلغت مبيعات ألبوماته عتبة المليون نسخة.
سليمان عازم الذي غنّى للجزائر بالفرنسية وبالأمازيغية، اضطر إلى البقاء في المنفى مجبراً بسبب تكرر محاولات تشويه سمعته في الداخل. اتّهم قاطنو قريته الصغيرة أقني قغران بالتعاون مع جيش الاحتلال الفرنسي خلال الخمسينيات، ووجهت إليه أصابع الاتهام بالتواطؤ مع الاستعمار، قبل أن يُدرج على قائمة الفنانين الجزائريين الذين تضامنوا مع إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967، وهي واقعة نفاها الفنان، إذ أقر بعض شهود العيان، بعد وفاته بأنّ اسم سليمان عازم أضيف بالقلم في اللحظات الأخيرة إلى قائمة أُعلنت في الإذاعة والتلفزيون. «النظام لم يفرض الرقابة على أغنياتي، بل على هويتي وانتمائي البربري» هكذا صرح سليمان عازم الملقب بـ «جورج براسنس» الجزائر. ذكر في أغنية «منفي وغريب» أمنيته بالعودة إلى الجزائر وملاقاة أهله وأقاربه. الفنان نفسه يبقى محل تنازع بين الجزائر وفرنسا، التي وضعت اسمه على ساحة عمومية في مدينة مواساك، حيث تخصّص له سنوياً احتفالاً في ذكرى وفاته (28 ك2/ يناير)، كما أنجزت عنه شريطين سينمائيين. وكان حسين عازم، قريب الفنان قد أعلن اقتراب موعد نقل رفات الراحل من فرنسا إلى الجزائر بعد مشاورات ثنائية جمعت بين رسميين من البلدين عام 2006. وقد تزامن هذا الإعلان مع رحيل شريف خدام (1927ــــ2012)، أحد أبرز مغنّي وملحّني الأغنية القبائلية، الذي توفي في باريس، ووُوْري في ثرى مسقط رأسه في قرية آيت بومسعود. ومع بداية الإعداد للاحتفال بمرور خمسين سنة على استقلال الجزائر، كشف حسين عازم أيضاً عن نية السلطات المحلية إنشاء مؤسسة تحمل اسم الراحل، وتهتم بالحفاظ على ذاكرته وأعماله، ما يُظهر اعترافاً ضمنياً به بعد صمت معلن دام عقوداً طويلة.