على الغلاف | تفتخر البحرين بحضورها الثقافي، وهي جديرة بذلك. إلا أنّها فقدت كثيراً عندما طوّقها الوهابيّون، وبدأ مفكرٌ سوسيولوجي مولَع بالمدينيّة يسرجُ خيلَ القبائل. كان يمكن هذا الحسّ المُراهِق أن يخسر الرّهان. على الأقل، قبل أن تدخل البلاد مرحلتها القطيعيّة في 14 شباط (فبراير) الماضي. يومها، واجه المثقفُ البحريني اختباره الأخير، وهو الاختبار الذي تفجّر من الشارع والساحات المفتوحة.


سبّب النظام البحريني إعاقة الثقافة وإنزال العقاب على أصحابها. بدأ الانكسار مع بدء تساقط المثقفين. ثمّة منْ لم يمنح نفسه فرصَ الاختيار الهادئ، وأسرع إلى التزاحم في طابور النظام. محمد جابر الأنصاري لم يكتفِ بتقديم تنظيرات هزليّة لإثبات «طهرانيّة» النّظام، بل تولّى تنفيذ العقوبات المكارثيّة ضد أسرة الأدباء والكتّاب، فكان شبيهاً بجنود الاحتلال السعودي وهو ينقلب ـــ مع جوقة من جيله ـــ على الأسرة ويغيّر اسمها ويدمِّر تاريخها، تماماً كما فعلَ العسكر بدوّار اللؤلؤة. لم يُمارس الأنصاري وعلوي الهاشمي وعلي عبد الله خليفة سلوكهم المكارثي مجازاً. شاعرهم (علي عبد الله خليفة) خاطب العاهلَ بكلّ فاشيّةٍ: «ابطشْ» وكاد يُكمِل: «فأنت الواحدُ القهّارُ». ناقد مسرحي شاركَ في لجان تفتيش قروسطويّة. صحافي مخضرم لم يجد متعته إلا في الترويج لإنسانيّة العسكر وإبطال «دعاوى» الحقوقي نبيل رجب. خسوف الثقافة في آذار (مارس) الماضي كان نتيجةً مفهومة. المثقفون كانوا هدف النظام. أضفى مثقّفو دوّار اللؤلؤة الشرعية الثقافية على هذا الأخير، إضافة إلى شرعيته الثوريّة. وبذلك، كانوا يُمهّدون لتجريب الدولة المدنيّة على أوسع نطاق، ويحرّضون على اقتلاع بؤر الاصطفاف والتضامن الجاهلي. لذلك، كان خطرهم كبيراً على نظام العائلة الخليفيّة. هنا، استجاب المثقفون المعلّبون لأوامر العسكر وبدأ الهجوم على مثقفي الثورة. أبرز الصحافيين اختفوا. أضحوا ملاحقين أو مفصولين أو غرباء خارج الوطن. وجوه بارزة في العمل الثقافي كُسرت أقلامها أو رضخت لأقلّ الواجب: الصمت المتقطّع، واجتناب المديح، وحفْظ النفس عن ارتكاب التغطية.
يكتبُ مثقّفُ السلطة نصوص التخوين. يحتفي بالدكتاتور، ويُمجّد صُنّاعَ القمع وإزهاق الأرواح. يستعيرُ لغته من بيانات الداخليّة وأقبية الاستخبارات. إنّه حليفٌ صدوقٌ لمثقف عاصمة «مي» وزيرة الثقافة البحرينيّة. لهذه الأسباب، فشل مشروع «المنامة عاصمة الثقافة العربية» قبل أن يبدأ. لا ثقافة في عاصمةٍ يسودها سياسيون ينتشون بالدّماء، ويبرّر لهم مثقفون قدّموا خلاصات بالغةً في الولع بالعبوديّة وانتهاك كرامة الإنسان.