برلين | انتصرت المؤامرة و«قيصر يجب أن يموت» على يد الأخوين الإيطاليين باولو وفيتوريو تافياني اللذين توِّجا بـ«الدب الذهبي» في الدورة الـ62 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي». المهرجان الذي اختُتم أمس، قابل وفاء بينسي فليغوف للأسلوبية الهنغارية في فيلمه «مجرّد رياح»، بجائزة «الدب الفضي» (جائزة لجنة التحكيم). وكانت جائزة أفضل مخرج من نصيب الألماني كريستيان بيتزولد عن فيلمه «باربرا».


ما من مفاجآت في الجوائز باستثناء استبعاد فيلم اليوناني سبيروس ستاثولوبولوس Meteora (دير) الذي كان وحده قادراً على منافسة الأخوين تافياني. لكن خيارات مايك لي ولجنة التحكيم مضت نحو انتصار لما صنعه الأخوين تافياني اللذين اشتهرا بفنّهما الملتزم الذي يمثّل مرآة للواقع الاجتماعي في بلدهما (راجع المقال أدناه). علماً بأنّهما فازا مرتين بسعفة «كان» الذهبية في عامي 1976 و1982. أما باقي الجوائز، فكانت من نصيب الأفلام ذات المضمون السياسي والتاريخي.
فيلم «مجرد رياح» سيكون وفيّاً للسينما الهنغارية التي قد تكون الأولى في ترسيخ مزج الوثائقي بالروائي. في هذا السياق يندرج «مجرد رياح» الذي يتتبع تفاصيل من الحياة اليومية، وصولاً إلى نهاية تراجيدية يدفعنا الشريط إلى توقّعها منذ البداية؛ إذ يوثق على طريقته حوادث عنف اندلعت في هنغاريا بين 2007 و 2008 واستهدفت الغجر، لكنّ الفيلم يؤكد منذ البداية أنّه ليس وثائقياً.
يضعنا الشريط حيال ما يمكن السينما الروائية أن تفعله إزاء أحداث غير بعيدة، فيما الأجواء التي ينسجها تتضافر لتشكيل أجواء جحيمية لبشر ينتظرون موتهم. نبدأ مع استيقاظ الأم وذهابها إلى عملها ثم الابن والابنة. يبقى الابن ملتقى جماليات الفيلم، فهو طوال الوقت عاري الصدر، يقع على جثة خنزير في الغابة، فيدفنها. وعندما نصل إلى النهاية، فإنّ الابن هو الوحيد الذي يركض خارج البيت، لنقع على ثلاث جثث يجري إعدادها للدفن: الأم والابنة والجد. بينما يبقى مصير الابن غائماً. حين يطلق عليه الرصاص وهو يهرب، لا نرى إن كانت الرصاصة قد أصابته أو لا.
التمركز على حدث واحد، سيكون حاضراً أيضاً في فيلم «باربرا» الذي سيتمثّل في هرب الطبيبة باربرا (نينا هوس) من ألمانيا الشرقية إلى الغربية. يُبنى الشريط على علاقتها بأندريه (رونالد زرفلد) ومريضة تجد في باربرا خلاصها. وتكون النهاية انقلاباً درامياً يتخذ شرعيته من كل ما تعيشه الطبيبة في القرية. إذ تمسي كل استعدادات باربرا للهرب إلى ألمانيا الغربية وملاقاة عشيقها هناك تمهيداً لتخليها عن كل شيء في النهاية.
جائزة «الفريد باور» مؤسّس مهرجان برلين كانت من نصيب فيلم «تابو» للبرتغالي ميغيل غوميز. قدّم الشريط تنويعات سردية كثيرة، راوياً قصة أورورا. الفيلم بالأبيض والأسود ينتمي في جزء كبير منه إلى السينما الصامتة. لكن الجزء الصامت يترافق مع صوت معلّق (فويس أوفر)، وقد تحضر بعض المؤثرات الصوتية التي لا تشمل كل ما نراه، كأن نسمع هدير شلال ماء من دون أن نسمع أي شيء آخر. العناصر الصوتية تبقى صامتة عدا عنصر واحد يجده المخرج ملائماً فيظهره.
جائزة أفضل سيناريو كانت من نصيب فيلم الدنماركي نيكولا آرسل «علاقة ملكية»، إضافة إلى جائزة أفضل ممثل لميكيل بو فولسغارد عن تجسيده شخصية الملك الدنماركي كريستيان الذي سرعان ما يصبح لعبة في يد طبيبه التنويري الذي يمرّر ـــــ بفضل علاقته القوية بالملك ـــــ قوانين تحررية كمنع الرقابة وتعزيز حرية التعبير والأفكار التي تبنتها الثورة الفرنسية. لكن نقطة ضعفه ستكون عشقه للملكة كارولين. جائزة أفضل ممثلة كانت من نصيب راشيل موانزا عن دورها في فيلم كيم نغوين «ساحرة الحرب». هنا، يتعامل المخرج الكندي مع الحروب الأهلية الأفريقية في سياق جمالي خاص يتركز على كومونا التي تمسي ساحرة الفصيل الذي يخطفها. بعد أن تشرب من حليب الأشجار، تكسب قدرات خارقة، بما فيها رؤية أشباح كل من قضوا في تلك الحرب عبر تتبع مصير الشاب الوحيد الذي تحبه، ومخاضها في قارب في النهر وغير ذلك من عتاد جمالي يروّض القسوة والوحشية التي تحيط بها من كل جانب. سنكون حيال واحد من أجمل الأفلام التي تناولت الحروب الأهلية في القارة السمراء.
جائزة أفضل تصوير كانت من نصيب الفيلم الملحمي «وادي الغزال الأبيض» للصيني وانغ كانان الذي يؤرخ لصين ما قبل الثورة الشيوعية من خلال امرأة وعلاقات الحب التي تتشابك عندها، والإضاءة على المجتمع القبلي والإقطاعي الذي كانت الصين ترزح تحته، وبدايات تشكل النقابات الفلاحية تحت عباءة الحزب الشيوعي. وكل ذلك يأتي في سياق قصة ملأى بالانعطافات الدرامية، والحروب والمجاعات وكميات كبيرة من الظلم تنتهي مع الغزو الياباني للصين.




التيمة أولاً


باستثناء جائزة «الدب الذهبي» رأى النقاد أنّ نتائج الدورة الـ62 من «البرليناله» جاءت مخيّبة للآمال؛ إذ مالت لجنة التحكيم التي يرأسها مايك لي (الصورة) إلى الأفلام ذات المضمون السياسي والتاريخي، فيما تراجع الاهتمام بالأعمال التي تحمل نفساً ابتكارياً وإبداعياً مثل «تابو» (جائزة ألفريد باور) لميغيل غوميز و«الأخت» (جائزة خاصة) لأورسولا ماير اللذين حظيا بـ«فتات» الجوائز.