في خضمّ الصراعات السياسية والخلافات المذهبية المنتشرة حالياً في العالم العربي والإسلامي، صدر أخيراً بالإنكليزية (دار الساقي) كتاب «الشيعة وعمليّة الدمقرطة في إيران (مع التركيز على ولاية الفقيه)» لإبراهيم الموسوي. رغم كونه مسؤول العلاقات الإعلامية في «حزب الله» حالياً، فإنّ الكتاب الذي أنجزه كان موضوعياً ومفيداً كمرجع لمختلف الجهات الراغبة في استيضاح مفاهيم وأحداث وتطورات جرت وتجري في الشرق الأوسط منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ثم تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقيادة الراحل آية الله الخميني. لقد عالج الموسوي مفهوم «ولاية الفقيه» مستنداً إلى مواقف مراجع دينية بارزة، وآراء هذه المراجع المختلفة والمتضاربة إزاء هذا المفهوم. ومع أنّ الكتاب اعتمد على أطروحة الدكتوراه التي قدمها الموسوي إلى جامعة «برمنغهام» البريطانية، إلا أنّ إلمامه بخلفيات المذهب الشيعي وأسسه وبالخلافات التاريخية بين الشيعة والسنّة، يعزى إلى تعمّقه في الموضوع في مراحل سابقة ولاحقة للدكتوراه.


في الفصول الأولى، يورد المؤلّف تفاصيل مهمة عن خصوصيات المذهب الشيعي، مقارناً إياه بخصوصيات المذاهب السنية. ويشير إلى أنّ التركيز لدى الشيعة هو على عصمة مبادئ وتعاليم الأئمة الذين ينتمون إلى سلالة الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب، وعدم جواز موازاتها بأحاديث صادرة عن صحابة النبي محمد. كذلك إن تولّي السلطة السياسية لدى الشيعة مرتبط بممثلي مرجعيات تمثّل الأئمة المعصومين من الخطأ في المجتمعات والدول الحالية، وتؤكد ارتباط الإرادة الإلهية بالإرادة السياسية. ومن هذه المفاهيم ما طرحه آية الله الخميني عن «ولاية الفقيه» وهو طرح لا تتفق عليه جميع مراجع التقليد الشيعية العليا في إيران والعراق ولبنان (قم والنجف وبيروت).
وحسب الموسوي، فإن الخميني لم يطرح هذا المفهوم ويطبّقه في فترة حكمه لإيران كي يتمتع بسلطة مطلقة، بل كي يعطي دوراً أساسياً للقيم الإلهية والأخلاقية في العمل السياسي. وهذا أيضاً، حسب الكاتب، أمر اختلفت فيه مع الخميني مرجعيات شيعية مهمة؛ إذ رأت أنّ تطبيق هذه المفاهيم قد تدفع الوليّ الفقيه إلى تجنّب المحاسبة على أعماله، وبالتالي تهمّش تطلعات الشعوب. ويقول إبراهيم الموسوي هنا: «هدف هذا الكتاب إزالة الاعتقادات الخاطئة والمنتشرة بأن مفهوم ولاية الفقيه يوجّه نحو الطغيان والاستبداد، ويتعارض مع مفهوم الديموقراطية».
ولعلّ السؤال الجوهري في الكتاب يتمثّل في إمكان أن يفسح مفهوم «ولاية الفقيه» المجال لعملية انتشار الديموقراطية في إيران. لكن موضوعية الكاتب دفعته إلى ترك الرد على هذا السؤال إلى القارئ، مفضلاً التركيز على عرض الوقائع، محقّقاً بالتالي بحثاً أكاديمياً موضوعياً مفيداً.
يتطرق الموسوي إلى إمكان دمج المفاهيم الجمهورية العالمية مع المفاهيم الإسلامية عبر تشخيصه للنظام الإيراني الحالي. ويخلص إلى أنّه يمكن دمج المفهومين إلا في حال عدم امتثال الوليّ الفقيه ومجالس مراقبته لمفهوم ولاية الفقيه على حقيقته، وخصوصاً في التطبيق العملي لهذا المفهوم. ويخلص هنا إلى أنّه لا يجب على الوليّ الفقيه أن يتحول إلى ديكتاتور؛ لأنّ هذا المفهوم (ولاية الفقيه) أنشئ كي تسود القيم الروحية والأخلاقية ممارسات السياسيين والقياديين.
ويؤكد الكاتب أنّ الإمام الخميني كان أول من طبّق مبدأ ولاية الفقيه الذي هو «مبدأ جديد نسبياً لا يعود إلى أكثر من أربعة عقود» وهناك حاجة إلى تثبيته وتطبيقه حسب الكاتب، لإنشاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتطورها. وهذا يعني بنحو غير مباشر أن هذا المبدأ ليس من مبادئ الأئمة المعصومين عن الخطأ التي لا يمكن تطويرها. ويستشهد الكاتب بمفكرين وفلاسفة غربيين وشرقيين تتمحور آراؤهم حول إمكان دمج الديموقراطية والإسلام. غير أنه يعود في موقع آخر من الكتاب، يقول بأنّ «ولاية الفقيه ليست فكرة أو مفهوماً من صنع آية الله الخميني، بل تعود إلى أكثر من قرنين قبل الخميني». أي يحاول طرح الفكرة القائلة بأنّه يمكن تطوير هذا المفهوم ديموقراطياً، وأنه لم يستخدم فقط لأهداف خاصة بآية الله الخميني لتثبيت سلطته أو من قبل رجال الدين الشيعة للهيمنة على رجال السياسة. بيد أن الخميني ـــــ حسب الكاتب ـــــ رفض الديموقراطية في ثوبها الغربي المصطنع التي تتكرّر محاولات فرضها على الشعوب العربية والإسلامية.
لا شك في أنّ الكتاب يضم الكثير من المعلومات المفيدة لفهم ما جرى ويجري في العالم حالياً، وفي علاقة إيران والدول الأخرى ذات الأكثريات والأقليات الشيعية مع باقي دول العالم. ولعلّ الفصل الأخير «انتخابات 2009 في إيران وآثارها» الذي أُنجز في مرحلة لاحقة لكتابته باقي فصول المخطوطة يتطلّب تركيزاً خاصاً. يشير الموسوي إلى أنّ المرشّح مير حسين موسوي وداعميه من الإصلاحيين دخلوا الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) 2009 وهم مدركون للأخطاء التي ارتكبها الإسلاميون في ولايتي الرئيس السابق محمد خاتمي لضرورة عدم الانقسام. ويوضح أنّ فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية عام 2009 رافقته شكوك من جهات عدة حول نزاهة هذه الانتخابات.
ويوضح الكاتب دور مير حسين موسوي الأساسي في الثورة على نظام الشاه، وانتسابه إلى الحزب الجمهوري الإسلامي وخدمته لمدة ثماني سنوات كرئيس للوزراء في ظل قيادة آية الله الخميني، عندما كان الوليّ الفقيه الحالي آية الله الخامئني رئيساً للجمهورية. كذلك أضاء على قدرة الموسوي على إدارة الشؤون الاقتصادية للبلاد في تلك الفترة، وخصوصاً خلال الحرب العراقية الإيرانية، ودوره كمحاور مع الغرب في عملية إيران ــــ كونترا التي أدت إلى الإفراج عن الرهائن الأميركيين في لبنان مقابل حاجات إيران من اللوازم العسكرية. لكن المشكلة، حسب الكاتب أن وسائل الإعلام الغربية صوّرت مير حسين موسوي حليفاً للغرب ضد أحمدي نجاد، نصير الثورة الإسلامية، فأفقدته ثقة شعبه به. ويضيف المؤلّف أن الوليّ الفقيه الحالي آية الله الخامنئي لم يكن يرغب في عزل مير حسين موسوي كلياً عن الساحة السياسية الإيرانية. وهنا تكمن أهمية هذا الجزء من الكتاب في ضوء ما يجري حالياً في الشرق الأوسط من انتفاض الشعوب المطالبة بالحرية. ويذكر الكتاب أنّ مجموعات فاعلة في المجالس والأوساط الدينية والمرجعيات الشيعية الإيرانية تطالب بجمهورية إسلامية إيرانية أكثر ديموقراطية. والخلاصة أنّ الكاتب ديموقراطي لكنه يعارض استعلاء الغرب وفرض ديموقراطيته على العالم الإسلامي مهما كانت الوسائل، ويؤمن بتحقيق الديموقراطية في عالمنا، لكن... من الداخل.