في روايتها «علي الأميركاني» (الساقي)، تسعى اللبنانية هالة كوثراني إلى كشف أسرار اللعبة الكتابية وعرضها بوضوح أمام القارئ. النص لا يتخفّى وراء تقنيات وألاعيب وحيل فنية، بل يتكون منها ويتشكل نسيجه من أدواتها. شيرين درويش الشخصية المركزية في النص هي أيضاً كاتبته. تتخذ قراراً برصد سيرة أحد الشعراء الذين تعرفهم، وسرد محطات حياته، والمرض والشعر والموت. إلا أنّ لقاءها بعليّ، الجار القديم الذي أُعجبت به قبل سفره إلى أميركا وغيابه أكثر من 20 عاماً، جعلها تعود عن قرارها في كتابة سيرة الشاعر، لتكتب عن عليّ، الشاب العائد من بلاد العم سام والمتشظي حضارياً بين هويتين.

صاحبة «استديو بيروت» تعبث ببنية نصها، لا تكف عن الفتك بتلك الحلقة التقليدية التي تنسج النص الروائي عادة. شيرين في الظاهر تكتب عن علي، لكنها في العمق تبحث عن سيرتها الخاصة وتتخفف من الألم الذي نجم عن هذه السيرة. عبر الحكاية المروية، ستنسى شيرين زواجها الفاشل وتغدو أسيرة حبها للماضي حيث ذكريات العلاقة القديمة بعليّ، جار البيت الأول.

وظيفة السرد إذاً كشف حياة السارد بواسطة المسرود وتحريرها من الصمت. الصحافية اللبنانية تتقن التنقل بخفة بين السير والحيوات، تعرف جيداً كيف تداخل بينها، وتعقّد مسارتها من دون أن تترك أي التباس في ذهن القارئ، أو تشتت تقني يقطع تدفق النص.
شيرين التي ترافق عليّ طوال الوقت، متنقلة بين بيروت والقرية الجبلية، ستصغي إلى حكايات الشاب الذي وافق على أن يكون بطل رواية تكتبها حبيبته القديمة. لكن النص سيأخذ مساراً آخر حين يتعرّف علي إلى هدى، الطالبة الجامعية التي خدعتها صديقتها وسلبت منها حبيبها وتزوجته، لتقرر الانتقام بعلاقة جديدة، فيصبح عليّ أداة هذا الانتقام. لا تتوقف الكاتبة عن توليد المتعة الفنية في روايتها، عبر لغة بسيطة وسرد سلس. القارئ يشعر بأنّه مخدوع منذ بداية النص ويوافق على الخدعة ويسير بها حتى النهاية. أحياناً نشعر بأنّ العلاقة بين الراوية شيرين والمروي عنه عليّ تحكمها الغيرة والانتقام وتعويض الماضي المرهون بالذاكرة، بما يمكن التقاطه من الحاضر عبر قصص مشابهة. عودة عليّ إلى أميركا وبقاء شيرين في بيروت، تبدو نهاية منطقية للعبة أرادت هالة كوثراني الإمساك بخيوطها وتحريك مساراتها. قد تصادف شيرين عليّاً آخر، تنبشه من ذاكرتها، لتسرد من خلال حكايته، ما بقي من حياتها.