سميح القاسم... حسبك أن تتذكـر

  • 0

القدس | في «إنها مجرد منفضة» (دار راية ـــ حيفا)، يكتب سميح القاسم سيرته بروح دعابة وتهكّم حكّاء يودّ جعل حكايته ممتعة. «ليست سيرة ذاتية، هي محاولة لترميم صور من الذاكرة، صور قديمة، بالأبيض والأسود». يقول الشاعر الفلسطيني في مطلع كتابه ويمضي في عرض صور ينتقيها من ألبوم السيرة. في سيرته كما حياته، تعدّى موقع الشاعر ليكون الشخصية العامة ورجل المجتمع. في مونولوج طويل مع الذات، يحكي الشاعر (1939) سيرته بادئاً بأهله، ماراً بأسماء ورفاق وشعراء، وبوقفات خاصة عند محمود درويش والرفقة الحزبية التي جمعتهما.


حياة عاشها بالطول والعرض والنكتة أيضاً: قصص مع مشاهير الأدب والفن والشعر في العالم ورجالات السياسة... وجنرالات العدو أيضاً: من دعوة غداء في بيت القائد الجزائري أحمد بن بلة في باريس مروراً بإسحق رابين الذي جمعته به المصادفة في إحدى السفرات (!) إلى تفكير القاسم بقتل ديفيد بن غوريون في أحد الوديان.
سيرة يسردها بضمير المخاطب مطعّمة بالطرف وبسلاسة الصحافي المتمرس واللاذع. مساحة يفردها لإقامته في موسكو وغرائب الزمن السوفياتي: «كنت في موسكو. ويزورك في فندقك عدد من أهل الأدب والسياسة والفن العرب المصريين. وكانت بينهم الفنانة سعاد حسني. حين شاهدت حقائبها الكثيرة المملوءة بالهدايا، فقد علّقتَ مداعباً: يا لك من فنانة بورجوازية! ولم يتأخر ردّ سعاد حسني التي كالت لك الصاع صاعين: أنا بورجوازية؟ طب بص شوف أنا جايبتلك إيه هدية. أهو لينين شخصياً!». يكتب القاسم سيرته فتى وشاعراً يعارك الواقع في فلسطين المحتلة، ويمتطي شهرته الأدبية إلى عواصم العالم. يروي دخوله إلى «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» وملابسات خروجه منه بعد اتهامه بـ«الشوفينية القومية». زمن الفلس والرفقة والشباب الصاخب رغم كل شيء، فظائع «الحكم العسكري» للاحتلال والمقاومة بالكلمة.
في سيرته، يعرّج على «الأخوة العربية اليهودية» رغم أنها لم تكن موضع ترحيب من الطرف الآخر كما يقول: «ذات يوم كنت سائراً في مظاهرة كبيرة في حيفا، وكنت أردّد مع المتظاهرين «أحفا يهوديت ـــ عرفيت» (أخوّة يهودية ـــ عربية). فجأة تصدّى لكَ مواطن يهودي من أحد الأرصفة صارخاً في وجهك: لن يحدث ذلك أبداً. لن تكون أخوّة كهذه! وبسرعة البرق (...) رددت على ذلك «المواطن» الاستفزازي: لطيزي! وتابعت السير الحماسي في المظاهرة (...). وفي برنامج تلفزيوني عبري حول القدس بينك وبين إيهود أولمرت، رئيس بلدية القدس «الإسرائيلية» قبل رئاسة الوزراء، عدت بالمدينة إلى تاريخها الأوّل إلى أيام اليبوسيين والكنعانيين، وقدّمتَ أدلتك الدامغة على بطلان خرافة الهيكل اليهودي، فما كان من أولمرت إلا أن هدّد بترك الحوار ومغادرة الأستوديو حين أثبتَّ عروبة اليبوسيين والكنعانيين. ولولا تدخل المذيع بقوة لما تابع أولمرت حواره وهو يغلي غضباً». ليست مساجلات القاسم مع الساسة الصهاينة على التلفزيون فحسب. ينقل لنا القصة الآتية التي تعطي فكرة عن الشخصية العامة التي كانها القاسم: «لعلّه من البديهيّات والمسلمات أن تكون معجباً بالخيول العربية الأصيلة (...). وحين دعيت لمشاهدة عرض لهذه الخيول في مزرعة أوري أرئيلي، الناشط السلمي والإعلامي، فقد لبّيت الدعوة بمرافقة زوجتك وأبنائك. كان هناك عدد من كبار الشخصيات العربية واليهودية. وبرز بين الحضور شمعون بيرس وإيهود براك. سألكَ بيرس عن أسماء أبنائك. وحين ذكرت له الاسم «ياسر»، قام بحركة مسرحية ملفتة للنظر: أهلاً يا صديقي ياسر. تعال نتابع الحديث. ونزولاً عند رغبة المضيف، ألقيت كلمة باللغتين العربية والعبرية. وما إن فرغت من إلقاء كلمتك حتّى هبّ إيهود براك من مقعده بجانب بيرس ليصافحك بحرارة، قائلاً: موافق على كلّ كلمة قلتها بشأن السلام والمساواة. وإذا أصبحتُ في يوم ما رئيساً للوزراء، فسأفاجئكم بالإصلاحات الواسعة والشاملة (...). وأصبح براك، لاحقاً، رئيساً للوزراء. وفاجأكم، لكن بالاتجاه العكسي لوعوده، ولم يبق هناك، لا قطار ولا سكّة، ولا
براك!».
ينهي القاسم سيرته بما يشبه الاعتراف والمرافعة: «ولأنّك لا تدّعي العصمة ولا تزعم الكمال، فإنّك تترك الجزء الأخير من هذا البوح العفوي وغير المقولب واللامحسوب، مجالاً لكلمة أخيرة. (...) وها أنت منهمك بضرورة الاستعداد للحياة وضرورة الاستعداد للموت، لكنّك مؤمن بأنّه لا بُدّ من فرج قريب بقدر إيمانك بأنّك من حياة إلى موت ومن موت إلى حياة، ومن رمل إلى رمل، ومن تراب إلى تراب، ومن ماء إلى ماء، ومن رماد إلى رماد، ومن قمح إلى ورد. ومن كلّ شيء وأيّ شيء إليها، إلى المنفضة، فما هي إلّا منفضة. إنّها منفضة. إنّها مجرّد منفضة!».




الأحفاد والكولاج

أحد أبرز الشعراء الفلسطينيين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من أراضي الـ48. ابن قرية الرامة في قضاء عكا ولد في الاردن عام 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. انصرف إلى نشاطه السياسي في «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» قبل أن يتركه. عمل في الصحافة وأسّس صحيفة «كل العرب» في الناصرة، وهو حالياً رئيس تحريرها الفخري. أصدر العديد من الدواوين، آخرها «هواجس لطقوس الأحفاد» و«كولاج 3» اللذين صدرا منذ أيام عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، بالتعاون مع «مكتبة كل شيء» في حيفا.

0 تعليق

التعليقات