القاهرة | في هذه الأيام من آذار (مارس) 1954، كانت مصر أيضاً تضع دستورها الجديد بعد ثورة يوليو، واكتشفت درية شفيق (1908 ـــ 1975) أنّ لجنة الدستور لا تضم امرأة واحدة، فقادت اعتصاماً نسائياً وإضراباً عن الطعام في مقر نقابة الصحافيين، ولم توقف إضرابها إلا عندما انتزعت الحقوق السياسية للمرأة المصرية، وأصبح لبنت النيل الحقّ في الترشيح والانتخاب للمرة الأولى.


لم يكن إضراب درية شفيق أول تحدياتها بطبيعة الحال. كانت قد اقتحمت مقر البرلمان قبل عام من ثورة يوليو برفقة مئات السيدات للمطالبة بحقوق المرأة السياسية. بعد أشهر فقط، أسّست فرقة شبه عسكرية نسائية للمشاركة في المقاومة ضد الاحتلال الإنكليزي في مدن القناة، وبينما أسست مدرسة لمحو الأمية في حي بولاق الشعبي في القاهرة، أطلقت أيضاً «اتحاد بنات النيل»، ثم مجلة «بنت النيل»، بعد رئاستها مجلة «المرأة الجديدة». وتسنّى لها تأسيس «حزب بنات النيل» الذي ترأسته بعد الثورة مباشرة قبل حلّ جميع الأحزاب. والأعجب أنّ كل ذلك لم يكن سوى جزء من طموحات وأحلام ومجهود درية شفيق، التي رفضت جامعة القاهرة تعيينها أستاذة بعد عودتها برسالة الدكتوراه من فرنسا في الأربعينيات، لكن بدا أنّ الحكم العسكري وحده استطاع أن يكسرها في النهاية، بعدما خاضت ضده جولات من الإضرابات والاعتصامات، مطالبةً الجيش بالرجوع إلى الثكن، إلّا أنّ موت السياسة بعد حلّ الأحزاب والجمعيات وسيادة زمن الاستخبارات فرض على درية عزلتها النهائية، هكذا ألقت بنفسها من شرفة منزلها في الزمالك في منتصف السبعينيات. نهاية يبدو كأنها المفضلة للمصريات اللامعات، من أروى صالح إلى سعاد حسني: السقوط من أعلى يبدو أقل طرق الموت ألماً وأكثرها حسماً. واليوم، حسب نتائج انتخابات الربيع العربي، يبدو أنّ ثمة رغبة قوية في تكريس هذا السقوط بالقانون وبالرقابة وبشعارات «العودة إلى الهوية».
يجمع كثيرون بين درية وهدى شعراوي وغيرهما من ناشطات المرأة، لكن أكثر ما يجمعهن أنّ فصاماً هائلاً يميز نتائج البحث عنهن في الكتب وشبكة الإنترنت. ثمة محاولات دؤوبة لإلقاء الركام فوق تجارب ناشطات، ووصمهن في أفضل الأحوال بالتغريبيات، وفي أسوئها بـ «التخريبيات عدوّات الهوية والدين». والواقع أنّ نظرة مجردة إلى حياة شفيق وشعراوي ونوال السعداوي تفصح بسهولة عن طموحهن الواسع سياسياً وعلمياً وتربوياً، وعن اشتباكهن الدائم بقضايا مجتمعهن على اختلافها وتنوعها، من قضية الأمية إلى الاحتلال، وصلابة شخصياتهن وأفكارهن.
هذا النموذج، نموذج المرأة المتحدية الغاضبة المشغولة بالشأن العام، ربما كان حقاً يخالف التقاليد والهوية، وليس غريباً أن يستفز المحافظين، لكنّ الغريب أنّ معركة الرجعية مع أولئك النسوة ما زالت مستمرة، بل تتزايد رغم أنّ شعراوي التي خلعت البرقع وانتزعت السن الأدنى لزواج المرأة، توفيت في عام 1947، بينما رحلت شفيق عام 1975. لكن نظرة على كتابات الإسلاميين، وخصوصاً في مواقع «المرأة المسلمة» على الشبكة العنكبوتية، تجعل الناظر يعتقد أنّ الناشطات الراحلات ما زلن يعشن بيننا. والواقع أنّهن لا يزلن بيننا فقط عبر الحقوق التي انتزعنها للمرأة، إلّا أنه يحضر هنا قول انغلز: «الناس يصنعون التاريخ، لكن ليس على هواهم». الإسلاميات ذوات الحضور الكثيف في التصويت الانتخابي، استفدن كغيرهن من الحقوق المكتسبة، لكنهن يصوّتن لصالح أعداء تلك الحقوق. المفارقات هنا لا نهاية لها، ومنها أنّ دكتوراه درية شفيق في فرنسا كانت عن «المرأة في الإسلام»، كما أنها استغلت بعض فترة عزلتها في ترجمة القرآن إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، وتلك طبعاً معلومات تخلو منها مراجع الإسلاميين، لأنّها تفسد عملية أبلسة الحقوقيات، وهي عملية قدمت انتحار درية شفيق بوصفه واحداً من احتمالين: الندم على ما «اقترفت» أو عقاباً سماوياً.
لكن تحت السطح، امتدت تأثيرات هدى شعراوي ودرية شفيق إلى أبعد بكثير من الاختطاف السياسي لصورة المرأة، شاء أعداؤها أم أبوا ذلك. إنّ المرأة المصرية حضرت بقوة هائلة في ثورة النيل، وربما لا تملك الناشطات الشابات اليوم القوة العلمية والذهنية للرائدات الأُوَل، لكن حضور سميرة إبراهيم، وأسماء محفوظ، ونوّارة نجم، وإسراء عبد الفتاح وغيرهن في الثورة المصرية هو نتيجة بعيدة لتأثيرات هدى ودرية ونضالهما. ربما لم تنجح «بنت النيل» في الخمسينيات في إجبار الحكم العسكري على الانسحاب من الحياة المدنية، لكنّ صورة الفتاة المسحولة في ميدان التحرير قبل أشهر، التي أصبحت أيقونة النضال ضد حكم العسكر، لا تبتعد كثيراً عما حلمت به درية شفيق قبل أن تقفز من شرفتها في حي الزمالك.