ينتمي فيلم «المرأة الحديدية» إلى أفلام السير. إنه عن مارغريت تاتشر فقط. ولعل مقاربة شخصية تاريخية أو فنية أو غير ذلك تتم بطرق متعددة، قد تتمثّل إحداها في التركيز على حدث مفصلي في حياة الشخصية، والانطلاق منها إلى الخلف أو الأمام، أو المضي أفقياً بالزمن من الطفولة إلى الشباب فالكهولة والموت.


الأسلوب الذي قدم فيه فيلم «المرأة الحديدية» لفيليدا لويد (1957) في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «ماما ميا» (2008) لا يركز على حدث رئيس في حياة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، بل على أحداث متفرقة. ينتقل الشريط من حدث إلى آخر من دون مسارات زمنية محددة، مع أنه يبدأ من الحاضر ويعود بالزمن إلى تاتشر المراهقة والشابة، ثم الزوجة والأم والناشطة السياسية، وصولاً إلى دخولها مجلس العموم البريطاني بوصفها أول امرأة تنجح في الانتخابات عن حزب المحافظين، إلى أن تتولّى رئاسة مجلس الوزراء البريطاني لثلاث ولايات متتالية (1979 ــ 1990).
يمضي العمل كأنّه «فلاش باك» طويل يحتلّ مجمل زمن الفيلم لكن من دون أن يفارق حاضر تاتشر و«محرّضات» الذاكرة عبر الاتكاء دوماً على ما تعيشه تاتشر العجوز (ميريل ستريب) في ما يشبه العزلة. يُفتتح الفيلم بها وهي تشتري الحليب من متجر كأي سيدة لندنية، بينما كل من حولها هم من المهاجرين، ثم سيكون طيف زوجها دينس تاتشر (جيم برودبنت) حاضراً على الدوام. تحاوره وهو يمارس في أحيان كثيرة ما يشبه «الكورس» في المسرح الإغريقي وهو يعلّق ويتدخّل في كل شيء. إنه الشاهد والمعاصر لكل ما مرت به هذه السيدة التي كانت المرأة الوحيدة التي ترأست حزب المحافظين من 1975 حتى 1990. إنه الرجل الوحيد في حياتها الذي لم يدخلها من باب السياسة، بل من باب الحبّ، ولعله بشكل أو آخر أجمل ما حدث لها.
في الفيلم، تعيش تاتشر الذاكرة فقط. لا شيء يحدث في يومها سوى هذا الفعل. على سبيل المثال، ستضع شريط فيديو وتشاهد ابنها مارك صغيراً. ومن خلال ما يحرّضه شريط الفيديو في ذاكرتها من طفولة مارك، نعود إلى حملتها الانتخابية، واللحظة التي تقرر فيها المجيء إلى لندن وانتصارها على حزنها الكبير لمفارقة ولديها، ثم دخولها البرلمان وهي المرأة الوحيدة بين مئات الرجال. سيحدث كل ذلك ضمن مسار يلغي الزمان والمكان، وفي اتباع منطق الحلم.
هذه الحركية في الذاكرة، ستكون منطق الفيلم الرئيس، كما هو الزمن السينمائي أصلاً، حيث الماضي والحاضر يمضيان في زمن حلمي. والنتيجة في فيلم «المرأة الحديدية» الذي كتبته آبي مورغان، مرورٌ على كل ما شكّل حياة تاتشر السياسية والعائلية، لكنّه مرور سريع ينقلنا من أزمة إلى أخرى، ومن اضطرابات إلى أخرى تعصف بوزارتها التي تترأسها، مثلما هي الحال مع حرب جزر الفوكلاند (1982) وإضرابات عمال مناجم الفحم (1985) من دون إيلاء أي أهمية للأحداث التاريخية. التركيز فقط سيكون على شخصية تاتشر، والكيفية التي تعاملت بها مع تلك الأحداث السياسية التي يمكن لكل واحد منها أن يستحق فيلماً، خصوصاً أن تاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان، كانا ولا يزالان المؤسسين لسياسية اقتصادية نعيش نتائجها في أيامنا هذه. هكذا سيبدو قرار تاتشر إرسال قوات انكليزية إلى جزر الفوكلاند ومحاربة الجيش الأرجنتيني قراراً وطنياً خالصاً، وليس تصديراً للأزمات الداخلية التي كانت تعيشها «المرأة الحديدية» وغير ذلك من تفاصيل لن يشغلنا عنها شيء سوى الأداء المدهش لميريل ستريب وهي تجسد شخصيّة تاتشر، وقد نالت عنه ثالث الأوسكارات في مسيرتها التمثيلية الاستثنائية.

Iron Lady: صالات «غراند سينما» (01/209109) ــ «بلانيت أبراج» (01/292192) ــ
http://lb.grandcinemas.com