القاهرة | «الحكيم»... قد لا ينطبق الوصف على أحد بقدر ما ينطبق على حياة المناضل المصري الراحل محجوب عمر (1932 ـــ 2012)، الجنوبي الأسمر الذي ولد في مدينة بني سويف لم يعرف الاستقرار. جرّب السجون والمعتقلات والحروب والمعارك الفكرية. كان دوماًَ في الخطوط الأمامية، مشتبكاً مع أفكار، ومدافعاً صلداً عن القضية الفلسطينية في تحوّلاتها المختلفة. كان كاتباً لما كان مجهولاً وخافياً من تاريخها، محارباً من أجل القضية التي حملها معه شاهداً ومشاركاً ودارساً.


حتى الذين اختلفوا مع أفكاره لم تجرحهم نقاشاته. لذا، وفي كل معاركه، لم يفقد احترام المختلفين معه فكرياً. حتى إنّ مفكراً إسلامياً مثل جمال البنا وصفه مرة بالحكمة المختفية العميقة التي تجمع «بين محمد والمسيح، ماركس وأبو ذر الغفاري، الداعية والمحارب». بعد أشهر على رحيله، يحيي أصدقاؤه في بيروت ذكراه غداً في «مسرح دوّار الشمس» من خلال قصائد من أعماله، متلوة بصوته، وشهادات حية من أصدقائه، هو الذي تمثّل بيروت محطة مهمّة في مسيرته التي تنقّل خلالها بين مصر والأردن وتونس والجزائر، ثائراً ومناضلاً ضد الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي.
كان بإمكان رؤوف نظمي ميخائيل أن يعيش حياة يسيرة، ويحقّق حلم عائلته بأن يصبح طبيباً. غادر مدينته الصغيرة من أجل هذا الحلم، إلى القاهرة، التي كانت تستعد لثورة يوليو 1952. اختار رؤوف أن يلتحق بالحركة الماركسية، فحمل يومها اسمه الحركي «محجوب» داخل التنظيم، ثم أضافت إليه التجربة الفلسطينية اسماً حركياً ثانياً هو «عمر». هكذا، اجتمعت تجربتا النضال، في صفوف اليسار المصري، وفي المقاومة الفلسطينية، في اسمه الذي اشتهر به: محجوب عمر. عشر سنوات قضاها في سجون نظام يوليو، حيث تعرّض لمختلف أنواع التعذيب، لكنه خرج صلباً، ليكمل دراسته في كلية الطب. مرة أخرى، أتيحت له بعد تخرّجه فرصة أن يصبح طبيباً في شركة بترول بمرتب عال. قبل أن يفكر في تسلّم الوظيفة، كانت هزيمة الـ 67.
تلك الهزيمة كانت صدمة قاسية ليس فقط له وحده، بل ربما لكل أبناء ذلك الجيل. كان سؤال الجميع: لماذا جرى ما جرى؟ كانت لحظة مراجعة قاسية للذات، تباينت فيها الاختيارات، منهم من تحوّل من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وآخرون قرروا دراسة العدو لفهمه فهماً علمياً. أما محجوب عمر، فقد اختار مواجهته والاشتباك معه مباشرة. أول ما فعله بعد الهزيمة كان السفر إلى سيناء مع مجموعة من الأطباء للبحث عن الجنود المصابين. عندئذ، كان اسمه ملء السمع والبصر ليس في الحركة اليسارية فحسب، بل في الحركة الوطنية كلها أيضاً. ثم قرر الهجرة للانضمام كطبيب إلى صفوف المناضلين في الجزائر، قبل أن يتخذ قراره بالسفر إلى الأردن للمشاركة في ما سمّي «معركة الكرامة» عام 1968مع حركة «فتح» وزملاء مصريين له مثل طاهر عبد الحكيم وفاروق القاضي.
يحكي المفكر المصري قدري حفني أنّ كثيرين من الأصدقاء حاولوا دفع محجوب إلى التراجع عن قراره، حكوا له عن مخاوفهم، لكنّه أصرّ: «أنا أعرف أنّني أواجه واقعاً حيّاً مليئاً بالمشاكل والتخلف، لكني أثق بأنّ الكفاح المسلح وحده هو الطريق الوحيد كي يتعلم المرء من جديد كيف يناضل». خلع ملابسه المدنية وجمعها في حقيبة، وأرسلها إلى صديقه قدري، طالباً منه أن يذهب إلى أهله ليخبرهم بذلك القرار. ذهب الصديق إلى الأسرة، وحالما فتح مراد شقيق محجوب الحقيبة واكتشف أنّها تحوي كل الملابس التي أخذها محجوب معه، كاد أن ينهار باكياً. لقد استنتج أنّ مكروهاً قد حلّ بشقيقه وتطلّب الأمر وقتاً كي يخبره قدري أن شقيقه بخير، وكل ما هناك أنّه قد التحق بصفوف «فتح». لم يكن الكلام مقنعاً، تساءل الشقيق: «لا يرتدون بنطلونات وقمصاناً في «فتح»؟». شرح له حفني أنّ محجوب لم يلتحق بـ «فتح» بوصفه سياسياً أو طبيباً فحسب، بل أيضاً باعتباره من «العسكر».
في تلك الأيام، كتب رسالة لصديقه قدري مصراً على قراره: «لن أعود إلا إذا تعودت أذناي صفير المدافع والطائرات والصواريخ، وتلطّخت يداي بالدم والطين، وأكلت من عشب الأرض جوعاًَ، وشربت دموع أطفال اللاجئين». قاتل في أغوار الأردن، ومارس مهنته كطبيب، عاش مع المقاومة أحلك ساعاتها في أيلول الأسود عام 1970، حيث سرد تراجيدياً واقع مستشفى تحت الحصار: كان ذلك مستشفى الأشرفية الذي عمل فيه طبيباً، ولم يكن يحوي أي معدات أو مواد طبية، بل بعض المعدات البدائية فقط. فوق هذا كله، كان المستشفى مهدداً كل يوم بهجوم صهيوني عليه لا يعرف الرحمة، وما أكثر من دخل المستشفى فنجا بمعجزة، أو قتل، أو قطعت ساقه أو يده. محجوب أيضاً كان شاهداً على ما جرى في تل الزعتر وبيروت المحاصرة، حيث كان يدرّب الشباب ويعالج المرضى، ويؤرخ لما يشاهد ويرى. كانت أياماً «سقطت فيها الأقنعة الاجتماعية، وبرزت بطولات بسيطة ومجهولة، وتجسدت الكلمات التي تحدثت عن طاقات الجماهير الخلاقة التي لا تفنى» وفق ما ورد في كتابه «الناس والحصاد» عن تلك المرحلة.
كانت بيروت محطة مهمة في مسيرته توجّه إليها بعد أيلول الأسود. في العاصمة اللبنانية، عيّن مفوضاً سياسياً لقوات «فتح» في الجنوب اللبناني، قبل أن يترك هذه المهمة ليعمل مع أبو جهاد في مركز التخطيط الفلسطيني باحثاً، ومترجماً، وشاعراً، كتب عشرات المقالات رداً على الكتابات التي جرى الترويج لها في تلك الفترة التي تقول بانتهاء المقاومة. حينها، شارك مع آخرين في صياغة خطاب ياسر عرفات الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1974.
لم تطل إقامة «منظمة التحرير الفلسطينية» في بيروت. خرج المقاتلون بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى تونس، لكنّه فضّل العودة إلى القاهرة لينشئ مع آخرين منهم قدري حفني، والسفير طه الفرنواني، والكاتب الراحل لطفي الخولي «اللجنة الوطنية لدعم الانتفاضة الفلسطينية»، كما أنشأ فرعاً لـ «مركز الأبحاث الفلسطيني» وتحلّق حوله عدد من التلاميذ، وكان يكتب مقالاً أسبوعياً في صحيفة «الشعب»، فضلاً عن إصداره عدداً من الكتب التي تؤرّخ للقضية الفلسطينية من بينها: «الأشرفية»، و«أيلول في جنوب الأردن»، و«حوار في ظل البنادق»، و«الكلمة والبندقية»، و«الناس والحصار»، و«صبرا وشاتيلا»، وغيرها من أعمال لا يزال بعضها أسير ورق الصحف ويحتاج إلى جهد الجمع والنشر. ورغم قبوله اتفاقية أوسلو في 1993 التي رأى أنّها «الاختراق» (عنوان كتابه عن اتفاق غزة ـــ أريحا)، إلا أنّه لم يعدّها نهاية المعركة، بل «بداية لمعركة واسعة شاملة تسهم فيها كل أقوام المسلمين شعوباً وحكومات»، مشيراً إلى أن الصراع مع اسرائيل هو «حضاري عناصره الاقتصاد والثقافة». وقد كرّمه الراحل ياسر عرفات عام 2004 بمنحه وسام «نجمة القدس» تقديراً لإسهامه في خدمة القضية الفلسطينية... حيوات ومعارك عديدة عاشها محجوب عمر كلّفته جلطة أثّرت في تحرّكه في أيامه الأخيرة قبل أن يرحل في 17 آذار (مارس) الماضي في القاهرة، وتحديداً في «مستشفى فلسطين».

7:00 مساء غد الجمعة ـــ «مسرح دوّار الشمس» (الطيونة، بيروت) ـــ
للاستعلام: 01/381290




جائزة... وقصائد للـ «عاصي»

قبل رحيله في 17 آذار (مارس) الماضي، أهدى محجوب عمر «جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين» الثقافية مكتبته التي تضم 16 ألف إصدار حول القضية الفلسطينة وحدها. وإيماناً بالقضية التي جمعت الراحلين عمر وبهاء الدين، أعلنت الجمعية منذ أيام تخصيص جائزة سنوية عن القضية الفلسطينية باسم محجوب عمر، ستمنح لأفضل كتاب بحثي يطرح رؤية استشرافية واقعية للقضية. وقد جاء الإعلان خلال حفل تأبيني أقيم لمحجوب عمر في «قاعة نجيب محفوظ» في مقر اتحاد كتاب مصر في القاهرة. وأوضح محمود عبد الحميد، المدير العام لـ«جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين» أنّه ستُطلَق الجائزة في أقرب وقت، بعد الانتهاء من وضع الشروط والمعايير، مشيراً إلى أن الجائزة تنبع من «أهمية قضيتنا الفلسطينية، وإيماناً باستكمال مسيرة مفكرين عظماء منحوا أعمارهم من أجل هذه القضية. وفي ذلك كانت رحلة عطاء المفكر الدكتور محجوب عمر، الذى منح مئات الأبحاث والمؤلفات والأعمال والمقالات التي تناولت توثيق القضية، ورؤية مستشرفية للحلول مستندة إلى قراءة عميقة في أبعاد الواقع». أما الاحتفال الذي يقام غداً في «مسرح دوار الشمس»، فيجمع محبيه وأصدقاءه، لأنّه «صاحب مدرسة، سواء في سلوكه الإنساني، أو كمناضل، أو ما يمثّله بالنسبة إلى الناس بوصف مصر بوصلة المنطقة كلّها» على حد تعبير الباحث والكاتب ميشال نوفل. التكريم لن يكون تقليدياً، بل سيقتصر على كلمات يلقيها المشاركون في ثلاث دقائق فقط، أوّلهم المسرحي روجيه عساف، والروائي الياس خوري، والناشطة آمنى القرى وميشال نوفل. ومن مصر، يحضر الكاتب مصطفى اللباد، فيما لم يتأكّد بعد حضور شفيق الغبرا ومنير شفيق. ويتخلل الاحتفال عرض لصور تختصر مسيرة الراحل من مصر إلى الجزائر فالأردن فبيروت، وصولاً إلى محطته الأخيرة القاهرة، مع قراءة مقتطفات من قصائده مسجّلة بصوته، منها «أنا عاصي»، و«على باب الست أم هاشم»، و«أنا اسمي جمهر».