يتركز التفكير العربي هذه الأيام على البحث عن إسلام معتدل يتبنى الديموقراطية من دون أن يكبّلها بقيوده، ومن دون أن يتخلّى عن نفسه في الوقت ذاته. لعلّ مداخلات عدد من المفكرين والمثقفين في مؤتمر «تحديات الديموقراطية في العالم العربي»، الذي أقيم منذ أيام في «مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية» (سنّ الفيل ـــــ شمال بيروت)، حاولت التوفيق بين الإسلام والديموقراطية، وبدت راغبة في تأويل الإسلام وفق متطلبات عصرية ثقافية واجتماعية وسياسية راهنة.


توزع المؤتمر على ثلاث جلسات. وسادت المناقشات اعتراضاتٌ كثيرة ترى في بعض ما قُدم من أفكار «خروجاً عن عنوان المؤتمر»، أو «تمثيلاً لرأي واحد فقط»، وخصوصاً مع اضطرار مدير الجلسة الأولى، الباحث في العلاقات الدولية وقضايا الديموقراطية رغيد الصلح إلى اختزال الأجوبة والأسئلة على حد سواء. كان واضحاً التفاعل مع المفكر السوري طيب تيزيني، بصفته قادماً من مركز الحدث: دمشق. وهو إذ عنوَن ورقته بـ«الديموقراطية تحدٍّ حاسم ومفتوح في العالم العربي»، قدم ما سماها «أطروحات» يمكن أن تكون عناصر من الموضوع الذي حُدِّد به عنوان المؤتمر. ومن «أطروحات» المفكر السوري التي قدمها بعدما تناول واقع الدولة الأمنية كأحد أهم «أنواع» الدول التي حكمت معظم العالم العربي: الأخذ بالديموقراطية باعتبارها معادلاً للشورى التي ينادي بها الإسلاميون، أي عدم إلزامية الشورى، فالقرار للحاكم باعتبار الحكم في الإسلام حالة فردية، وبالتالي فالشورى لا تأخذ مكاناً في المنظومة الفقهية. وأشار تيزيني إلى أنّ السلفيين يأخذون بهذا الرأي، قبل أن يخلص إلى مناقشة الفكرة السلفية القائلة «تأخرنا في أحوالنا الراهنة بسبب خروجنا عن أصالتنا وديننا، ثم من الضروريّ التأسيس لصحوة إسلامية». أما مستشار شيخ الأزهر محمد كمال الدين إمام، فرد على تساؤل حول وصول قبطي إلى الحكم في مصر، قائلاً إنّ هذا الشخص سيكون رئيساً لكل مصر، وبالتالي لا خلاف على هذا الأمر، فالديموقراطية لا تقبل التجزئة. وطبعاً، سرت همهمات في القاعة حول من يمثل هذا الرأي: أهو رأي الأزهر؟ أم رأي إسلامي عام في مصر؟ بعد ذلك، أتيح المجال لنقل رأي «الإخوان المسلمين» من خلال مداخلة رئيس المكتب السياسي لـ«الجماعة الإسلامية في لبنان» عزام الأيوبي، الذي عرض تجربة الجماعة لبنانياً، محاولاً ربطها بالتفكير الإخواني العام، وخصوصاً لجهة اعتبار أن التنوع والتعددية ليسا خياراً، إنما هما إرادة الله. فالإخوان ـــ بحسب الأيوبي ــ يعتبرون التنوّع هو الأصل في حياة الناس الذين يملكون حرية الاعتقاد والفكر والثقافة.
في الجلسة الثانية التي أدارتها أستاذة علم الاجتماع السياسي هدى رزق تحت عنوان «الحركة الإسلامية ومفهوم الدولة المدنية»، تعاقب على الكلام كل من أستاذ العلوم السياسية في «الجامعة الأميركية في بيروت» أحمد موصللي، الذي رأى أن كل العصور التي نشأت فيها دول إسلامية في الشكل، لم تشتمل على دولة دينية في المضمون، لأنّه لا دولة دينية في الإسلام، فـ«ليس هناك من يمثل الله على الأرض». وأشار موصللي إلى أن «مفهوم الدولة الثيوقراطية نشأ في الغرب، ويدل على أنّ الحاكم هو ظل الله على الأرض». بدوره، رأى الناشط السياسي والنقابي الأردني ليث شبيلات أن مفهوم الدولة المدنية ليس مقابلاً للدولة الدينية، فلا خلاف بحسب هذا التعريف، «إذ لم تكن الدولة في معظم تاريخنا (الإسلامي) محكومة بتسلط المؤسسة الدينية ـــ إن وجدت ـــ بل إن التسلط كان للسياسيين وسلالاتهم». أما الكاتب الصحافي قاسم قصير، فقد تناول علاقة الحركات الإسلامية بمفهوم الدولة المدنية، وتعدد الآراء والمواقف، والتمايز بين النص والتطبيق، مستعرضاً تجربة «حزب الله» في لبنان، و«الإخوان المسلمين» في مصر. وكان محور الجلسة الثالثة التي أدارها الإعلامي سامي كليب «التغيرات العربية ودور المؤسسات العسكرية والأمنية». رسم النائب فريد الخازن بانورما تبيّن أثر العسكر والأمن في تجارب الحكم العربية، وكذلك دور هذه المؤسسات في «تسهيل» نشوب الانتفاضات وسقوط الأنظمة. ومع تغيب رئيس تحرير «لو موند ديبلوماتيك العربية»، سمير العيطة، «لارتباطات عملية مع المجلس الوطني (السوري)» بحسب مدير الجلسة، تحدّث الباحث والأكاديمي المصري عبد الفتاح ماضي عن تجربة الدولة المصرية الحديثة قبل «ثورة 25 يناير»، ودور المؤسسة العسكرية السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في بنية هذه الدولة؛ إذ «يدير الجيش المصري معظم المصالح الاقتصادية والمؤسسات المنتجة، وبالتالي فإن مفاصل أساسية هي بيد العسكر». ورأى ماضي أنّ الاستحقاق اليوم هو كيفية التوفيق بين دور العسكر الحسّاس، والسير في دولة مدنية يأتمر بها العسكر ولا يتآمر عليها؟