القدس المحتلة | لو كنتَ ممن شاهدوا فرانسوا أبو سالم (1951 ــ 2011) يقفز بخصلات شعره الأبيض على المنصة، وهو يعرض لساعتين ــ بألق ورشاقة لا مثيل لهما ــ مونودراما «في ظل الشهيد»، ستشفق على أي ممثل يؤديها بعده. كان ذلك قبل أشهر من قفزه عن ظهر عمارة قيد البناء في أحد أحياء رام الله. نحن الذين تحمسنا لفرانسوا ممثلاً في هذا العمل الذي يقدّم ضمن «منصّة» (15/10 ــ س:20:30 ــ زيكو هاوس) إضافة إلى «تحية إلى فرانسوا أبو سالم» (معرض لعامر خليل ــ مونو)، لم نتحمس لمقولة العمل سياسياً ومقاربته لمسألة «العمليات التفجيرية» (الضحية التي تنتحر).


المقولة مسقطة (بل مقحمة فنياً) على العمل الذي هو في جوهره تجربة فرانسوا نفسه وخبراته في عالم الانهيارات والعلاجات العصبية. أما شخصية ابن المخيم (طالب علم الأعصاب الذي انهار بسبب استشهاد أخيه الأصغر وتحول ممرضاً في مستشفى للأمراض العقلية) التي ألصقها مع باولا فونفيك شريكته في كتابة وإخراج العمل، فتبدو لنا مقحمة حتى في تفاصيلها الصغيرة. من جهة تبدو لنا محاولة غير موفقة في خلق قناع مسرحي لعمل مبني على تجربة فرانسوا الشخصية، ومن جهة أخرى محاولة لصنع سياق «فلسطيني جذاب» (غربياً) بزج موضوع منفذي «العمليات التفجيرية» (الشهيد) في العمل. أقل ما يقال في الزاوية التي يطرحها العمل سياسياً هو منظورها «الأوروبي» الذي يدرك نصف الحقيقة أو نصف الواقع فقط. والأهم هو سطحية المعالجة قياساً بعمق معالجة تجربة فرانسوا مع عالمه العصبي/ النفسي التي وسمت حياته في التسعينيات، وأبدع في التعبير عنها على الخشبة في «ظل الشهيد» الذي هو بالأحرى «ظل» فرانسوا نفسه، بعيداً عن محاوله تمويهه ودمجه في قصة خارجية (الضحية المنتحرة) كما حاول مع فونفيك. كل ما سبق لم يسمح لنا الوقت بمناقشته مع فرانسوا الذي كان يسمع بطريقة مسرحية: مرونة هائلة في السماع وابتسامة مزدوجة المعنى. كان فناناً بطريقته تلك. ورغم أن مسرح «الحكواتي» لم يكن النموذج الأحب إلينا سياسياً، فإنّ هذا لم يمنعنا من مشاركته هموم أعماله وأبسطها وأخطرها توفير جمهور لعروضه في بيئة تراجع فيها المسرح تراجعاً مريعاً. عروض «في ظل الشهيد» مني بعضها بقاعات شبه فارغة في حيفا وبيرزيت والخليل والقدس خلال أشهر فرانسوا الأخيرة. بدا لنا فرانسوا صورة معاصرة لسيزيف مسرحي يبعث على الأسى والاعجاب معاً.
سيزيفية العمل المسرحي كما اختبرها فرانسوا في بيئة تفتك بها حالة الاحتلال، والخذلان الصامت ممن كانوا تلامذته بالأمس، كان يتلقاها بابتسامة وأحياناً بطرافة مريرة. كل ما سبق لعله الريشة التي سقطت على كتفه وأهوت به إلى ذلك الحتف القاسي الذي لم نستفق حتى الآن من قسوته.