عمان | في عامه التاسع عشر، أعلن «مهرجان المسرح الأردني» استمراره وحضوره عربياً. وبذلك، فقد سدّ جزءاً من الفراغ الذي خلّفه التوقف ــ الموقت ربما ــ لمهرجانات رسمية عربية كانت قد حجزت لنفسها مكاناً بارزاً في المشهد المسرحي العربي، كـ«مهرجان القاهرة التجريبي» و«مهرجان دمشق المسرحي». ثماني دول عربية حضرت على مستوى العروض، وست أخرى أسهمت نقدياً في الندوات التي انعقدت تحت عنوان «اللغة المسرحية».


على مستوى المضامين، دارت بعض العروض في الحيّز الذهني للمسرح ومقاربة الحياة فلسفياً، وهو حال العرض الآتي من سلطنة عمان بعنوان «الكهف» حيث يقترح جلال جواد، نصّاً وإخراجاً، نهايةً محتملة للعالم لا نجاة منها إلا في قضاء عشرين عاماً في كهفٍ يحدد موقعه أحد العلماء حيث تلتقي هناك ست شخصيات تختزل أربع رؤى فكرية للحياة، العلم والمال والروح واللذة، تتجادل في ما بينها على امتداد عرض ذي حوارات طويلة وإيقاع رخو يعكس ربما عدم النضج الكافي لتجربة المخرج جواد القادم من مجال إدارة الأعمال.
المخرج العراقي علاء قحطان اختار المساحة الفلسفية ذاتها في آخر نصوص سارتر «جلسة سرية»، لكنه قتل الكاتب رمزياً، وحذف الحوارات ذات النفس الواقعي، وأحالها إلى تركيب بصري صوتي مكثّف مبهم الإشارات يحرم المتلقي متعة التأمل في فكر سارتر، ولا يمنحه، في الوقت نفسه، البديل الفني القائم على رؤية معاصرة مفترضة.
في المقابل، حاكت معظم العروض الواقع العربي الراهن. تباينت الرؤى والتوجهات سياسياً، ولكنها التقت في انتصارها للإنسان العربي المسحوق الذي كشفت الأحداث الراهنة عن عمق الخراب والضرر النفسي الذي لحق به على امتداد عقود طويلة من الفكر الواحد والصوت الواحد. هكذا، قدم الأردني محمد الإبراهيمي عرض «إلى إشعار آخر»، كاشفاً تلك الشقوق الغائرة في ذاكرة المواطن العربي من خلال شطر المسرح طولياً، وبعثرة كراسي الجمهور على جانبي الحدث، في فرجة غير تقليدية تتلاقى مع جوهر العرض القائم على إعادة النظر في البديهيات. في السياق نفسه، سار عرض «في الانتظار» للمخرج الأردني محمد الضمور الذي تناول الراهن من خلال التحذير من التكفير المتبادل، ورفض الحلول الجاهزة. أما محمد خير الرفاعي، فاستعان بنص «الديكتاتور» للكاتب الراحل عصام محفوظ. يفضح العمل استثمار أحد الجنرالات لموجة حراك شعبي، حيث يقوم بتصفية معارضيه، وتنتهي المسرحية باعتقال الشعب بأكمله. بطريقة مشابهة، حضر نص السوري الراحل سعد الله ونوس «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» في عرضين من مصر واليمن. في النسخة المصرية التي حملت توقيع المخرج إسلام إمام، يدرك حنظلة أسباب مصائبه، فينجز ثورته، ولكن سرعان ما يجري تحييده من ساحة الفعل من قبل الرموز السابقة للنظام، في إشارة إلى استمرار الذهنية ذاتها في إدارة البلاد. استخدم المخرج الغناء والرقص، ووضع أحداث العرض في إطار سهرة يقودها مهرّجان يتقاسمان شخصية حرفوش. لكن العرض بالغ في إبراز الجانب الهزلي، وخسر بذلك البعد التحريضي الموجود في نص ونوس. العرض اليمني الذي أخرجه مبخوت النويرة بدا أكثر قرباً من رؤية ونوس. وفي تصريح لـ «الأخبار» حول سبب اختياره لحنظلة، هو القادم من بلد أنجز ثورته للتو، قال المخرج: «رحلة حنظلة هي رحلة المعاناة التي مرّ ويمر بها المواطن العربي في ظل الأنظمة الاستبدادية التي لا ترى من المواطن إلا ترساً في آلةٍ تعمل من دون أن تتكلم، وما يجري اليوم في عالمنا العربي هو ترجمة لاستيقاظ حنظلة وكسره لحاجز الخوف».
من جهة أخرى، تقاربت آراء المتابعين حول مستوى العروض، فرأى البعض أنها «أقل من جيدة»، واعتبر آخرون أنها دون المستوى المطلوب. المخرج الأردني نبيل الخطيب، وعضو اللجنة الثقافية في المهرجان، قال إن «مهرجان هذا العام تراجع إلى مستوى الخيبة، إضافةً إلى غياب العروض الأجنبية، وبذلك أزيلت الصفة الدولية عن المهرجان. أما مضامين العروض المشاركة، فقد افتقدت الرؤى الجدية والتكنيك الفني». يستثني الخطيب، كما فعلت نسبة كبيرة من الجمهور، العرض التونسي «يبقى الحديث» الذي قدّم على الأقل «تكنيكاً متطوراً للممثلين بالمعنى العلمي والمسرحي للكلمة».
في المحصلة، أعادت عروض المهرجان طرح مجموعة من المسائل الفنية ذات الصلة بالمسرح العربي المعاصر. حضرت بقوة مفاهيم السينوغرافيا وتقنيات التوظيف الدرامي والإضاءة، وغابت ذهنية العمل الدراماتورجي، الأمر الذي عكسته تلك العلاقة المضطربة مع النص واللغة والخطاب المسرحي وحتى الأداء؛ إذ ثارت بعض العروض على مؤلفيها، فتعرضت للتعديل والحذف والإضافة، لكنها ظلت مرتبكة لجهة الرؤيا والمعنى، فلا أمكنة محددة تحتضن الحدث المسرحي، ولا اعتماد واضحاً ومبرّراً لأنماط اللغة التي تنقّلت بين العامية والفصحى من دون بوصلة. ولكن يبقى الأهم تلك الطاقة الهائلة لدى كوادر المسرح العربي على الاستمرار والتجريب، والانتصار للمسرح كمشروع.