منذ تأسيسه قبل تسعة أشهر، يقود تجمّع «أنقذوا تراث بيروت» معركة للحفاظ على تراث بيروت المعماري فقط، رغم أنّ هذا التراث يبدأ بالعادات والتقاليد الشعبية ولا ينتهي عند الفن بمختلف ألوانه. نجاح شباب Save Beirut Heritage في استقطاب الرأي العام وإنقاذ بعض البيوت التراثية، يستدعي منا وقفة، إذ يؤخذ على هذه المجموعة ضعف اللغة التي تتوجه بها الى الناس، وفقر معرفتها بحقيقة القضايا التي تنادي بها. هل نحن بحاجة فعلاً إلى الحفاظ على كل بيت لبناني قديم، فقط لأن سقفه من القرميد الأحمر، وفي واجهته ثلاث قناطر؟ وهل كل أبنية تلك الحقبة، رمز لنمط معماري محدد نسمّيه اليوم «البيوت التراثية»؟

يمكن أن نجد بيوتاً شيّدت في تلك الفترة، لكنّ تصميمها هجين وتجاري، ولا يستحق أن يبقى! وإن كانت العمارة بحد ذاتها لغة، فلماذا يستعصي على Save Beirut Heritage، ترجمة عباراتها العلمية والفنية لمن هم خارج نطاق ذوي الاختصاص؟ وفي وقت تحتاج فيه العمارة المحلية إلى الإضاءة على عصرها الذهبي، تقودنا الجمعية بشعاراتها إلى كليشيهات الحنين والتراث...
لماذا لا ينظم الحريصون حملةً تعرّف بأهميّة الأبنية الحديثة التي بدأ معماريون لبنانيون بتصميمها منذ الأربعينيات وعرفت انتشاراً واسعاً حتى السبعينيات، وها هي اليوم تختفي من دون أن يسمع أحد بها! علماً أن مبدعين لبنانيين صمموها مثل بيار نعمة، وعاصم سلام، ورهيف فياض، وبيار خوري، وأنطوان تابت.
لماذا نبكي على «قهوة القزاز»، ونقود حملة شعواء على مصرف محلي، بعد انتشار شائعة عن أنّه سيحتل مكانها؟ باستثناء طابعها المعماري، لا شيء في «قهوة القزاز» يشبه المقهى القديم: لا المناخات المدينيّة، ولا لائحة المأكولات، ولا الطبقات الاجتماعية التي ترتاد المكان، ولا حتى طريقة التفاعل الإنساني بين روّاده. إنّه مطعم كغيره، وفي الإبقاء على الاسم القديم دون المحتوى، استغلال رخيص لمستثمر فشلت تجارته. قد لا يكون الآتي أفضل بالضرورة، لكن إيجابية هذا التحول الوظيفي تكمن في كونه خطوة أولى على طريق إزالة صفة «شارع السهر» الذي صبغ شارعاً بوحدة وظائفية تقتصر على علب الليل.
يمكن أن يكون إقفال «قهوة القزاز»، خطوة ليعود إلى سابق عهده، حيث مدرسة الفرير، ومكتبة سمير، وفرن عميرة، وملحمة الرومي، ومطعم «لو شيف» ومتاجر «الأنتيك»، ومخفر الدرك... هذه ليست إلا بعض معالم هذا الحي المتنوع التي كان يجب الحفاظ عليها، لأنّ حياة الناس في حيّز مديني متكامل، لا يمكن أن تنتجها، حصراً، أماكن اللهو والصرعات الاستهلاكيّة والعابرة. إن نظريات التنظيم المديني الحديثة (new urbanism) تنادي بالتنوع الوظائفي داخل التجمعات المدينية. المدينة في تحول دائم، والمقهى الذي أنشئ قبل تسعة عقود فقد وظيفته الحقيقية... وإعادة استنساخه ليست سوى خيانة لماضيه وتقاليده.