نحتاج إلى معجم جديد لاستعادة حواسّنا المعطّلة. نظرية «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم» انتهت صلاحيتها أمام مفردات جيل الغضب العربي. الجيل الذي نشأ في العراء، خارج إيديولوجيات الأحزاب المحنّطة. الأحزاب التي اخترعت شعارات لا تخص أحداً سواها، ثم استرخت على مقاعدها، مطمئنة إلى أناشيد الموتى التي ابتكرها شعراء المناهج المدرسية تحت بند «كيف تصبح ببغاءً مفيداً؟». لفرط اختلاط الألوان، كنا نظن أن هذا الجيل نسي ألوان العلم الوطني، وإذا به يحتفظ بحنجرته كاملة للصراخ والهتاف والغضب. جيل تعلّم الحرية عبر تدريبات فردية على شاشات المواقع الإلكترونية بصفة «مدوّن». ركاكة العبارات المكتوبة، لم تمنعه من تدوين غضبه وتشريح عزلته على الملأ، بأوكسيجين غير ملوّث بالرطانة اللغوية والكبت الجنسي.

فجأة، وجد أمامه صفحة على «فايسبوك» تخصّه وحده، بصورة ملوّنة، وحائط خاص يكتب عليه ما شاء، متجاوزاً خريطة سايكس بيكو، وتأشيرات حرّاس الحدود.
سندباد فضائي يتجوّل بالبيجاما في أرجاء العالم، من دون أن يغادر غرفته الضيّقة في أحد أحياء العشوائيات الموحلة، أو في مقهى نت. حمّى شركات الاتصال بفواتيرها الجهنمية، أنست أصحابها، أن ما كانت تظنه وقتاً ضائعاً للهو، قد أفرز جيلاً مدججاً بالتكنولوجيا الرقمية، وأن المسافة التي قطعها خارج الأسوار وضعته في قلب الحراك العالمي، في تمرينات شاقة لاستعادة حواسه المعطّلة تحت ضربات الشعارات المزيّفة، والوعود التي لم تتحقق في انتخابات «99،99 في المئة».
جيل يتأبط «لابتوب» بحقيبة تتدلى من كتفه، بدلاً من الكتاب والغليون، شعار حقبة النخب القديمة، يكتب يومياته على الهواء مباشرة، من دون أن يعبأ بالأخطاء اللغوية. يقفز فوق كان وأخواتها، كي يقول جملته المؤجلة والمنتهكة والمهملة، بأقصى طاقته على الصراخ، خالعاً جلد الخوف والخنوع والذلّ، ليعلن انتهاء صلاحية تاريخ العار.