يصل صوت نوّراة نجم (الصورة) غاضباً وحانقاً عبر شاشة «الجزيرة»: «مصر العظيمة، يرأسها شخص يستعين بالبلطجية للبقاء في منصبه... لقد سمعتهم بأذني يتحدّثون عن المبلغ الذي تقاضوه للاعتداء على المتظاهرين». نوّارة ليست محللة سياسية، بل مدوّنة وصحافية مصرية، وناشطة في ميدان التحرير منذ اندلاع الثورة... وهي أيضاً ابنة الشاعر أحمد فؤاد نجم، والكاتبة والصحافيّة صافي ناز كاظم.

خلال الأيام الماضية، بات صوت نوّارة (http://tahyyes.blogspot.com)، وغيرها من المدوّنين المصريين، معروفاً لمشاهدي القنوات التلفزيونية، وخصوصاً الفضائية القطرية التي استعاضت عن غياب مراسليها ـــــ بسبب سحب اعتماداتهم ـــــ بمداخلات يومية للناشطين الإلكترونيّين. هكذا بتنا نتابع تغطية مباشرة من ميدان التحرير في القاهرة، من خلال ما ينقله إلينا هؤلاء: عدد المتظاهرين، إلقاء القبض على البلطجية، المجازر التي ارتكبها رجال الأمن، وموقف المحتجين في الشارع من التطورات السياسية المتلاحقة.
لكن من هم هؤلاء؟ سؤال يبدو بديهياً للوهلة الأولى، وخصوصاً أنّ النظام المصري عمل خلال السنوات السابقة على محاصرة كل مدوّن «مشاغب» من خلال التهديد أو الاعتقال أو حتى النفي. كريم عامر، ووائل عباس، وحسام حملاوي، ووائل غنيم (أطلق سراحه أمس)، وإسراء عبد الفتاح... كانت هذه الأسماء وحدها كفيلة في الماضي بتأهّب أجهزة الأمن المصرية. هكذا اعتقلت عامر ولم تطلق سراحه إلا أخيراً. وهو الأمر الذي تكرّر مع وائل عباس وغيره من الناشطين، لكن اليوم تغيّرت الصورة، وكشف قسم كبير منهم عن هويّته الحقيقية، بعدما اختار بعضهم الكتابة بأسماء مستعارة في السنوات الأخيرة.
حسام حملاوي (http://www.arabawy.org) أحد أكثر المدوّنين نشاطاً هذه الأيام، يتابع التطورات على الأرض، وينقلها فوراً على موقعه، وعلى صفحته على «فايسبوك» من دون أن ننسى رسائله الفورية على «تويتر»: «الشباب المتعبون من المواجهات ينسحبون ليحلّ مكانهم شباب آخرون...»، ثمّ يكتب رسالة أخرى يؤكد فيها أنه اتّصل بإحدى صديقاته ليرد عليه رجل أمن ويبدأ بشتمه... إنها إذاً أخبار عاجلة من الميدان، لكن على طريقة المدوّنين، من دون تنميق ولا مراعاة الخطوط الحمر التي يرسمها الإعلام التقليدي لنفسه. وقد نقل هؤلاء أسلوبهم المباشر إلى الشاشات، فباتت مداخلاتهم الهاتفية الأكثر تعبيراً عن حقيقة الوضع في الشارع. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن المدوّنين والناشطين على الأرض كانوا أول من تحدّث عن دخول «البلطجية» إلى الساحة الأسبوع الماضي، ثمّ كشفوا عن هويّاتهم على الفضائيات من خلال التأكيد أنهم سحبوا منهم بطاقاتهم ليتبيّن أنهم أمنيّون.
وائل عباس (http://misrdigital.blogspirit.com/) اسم آخر اكتسب شهرةً إضافية بفضل إطلالاته التلفزيونية الأخيرة، مع العلم أن هذا المدوّن المصري، الذي يُعدّ من أبرز الناشطين الحقوقيين على الشبكة العنكبوتية، سلّط الضوء على عمليات التعذيب التي تمارسها أجهزة الأمن ضدّ الموقوفين في السجون المصرية. وائل كان الأسرع في نقل الأحداث على «تويتر»، كما لم يتردّد في التعبير عن مواقفه السياسية بطريقة مباشرة، «الثورة مش بتاعة البرادعي... الثورة مش بتاعة البرادعي... الناس مش بتحبه وها تكره الثورة بسببه» كتب على الموقع الشهير، مؤكداً أن الثورة شعبية لا حزبية. ثم تحدّث عن مشاهداته على الأرض «وفاة الشاب أحمد مصطفى في مستشفى الأزهر الجامعي بعد إصابته بإطلاق نار، والشرطة ترفض تسليم الجثة إلى أهله إلا إذا وقّعوا ورقة تؤكد أنه قتل في حادث سيارة». وتتوالى الحقائق الصادمة التي يحاول الإعلام المصري الحكومي والخاص إخفاءها. لا ينفي عباس في حديثه مع «الأخبار» الدور المهمّ الذي أدّاه المدونون خلال الثورة، وفي تحريك الشعب، وإثارة حماسته للنزول إلى الشارع، لكنّه يعود ليقول إنّ دوره وزملاءه اليوم هو «إخباري، ومعلوماتي، نحاول أن ننقل أسماء الشهداء، وأن نشير إلى مداخل ميدان التحرير...».
إذاً إلى جانب إطلالاتهم اليومية، بقي المدونون ناشطين على جبهتهم المفضلة أي الإنترنت. وبعد الفيديو الشهير الذي عرضته «الجزيرة»، عن مواجهات المتظاهرين مع قوات الأمن في منطقة «قصر النيل» الجمعة الماضي، عاد المدوّنون ليضربوا من جديد: أشرطة إضافية تخرج إلى العلن، وتنتشر على المواقع الإلكترونية، وأبرزها شريط «الأمن الجبان»، الذي صوّره أحد الناشطين الإلكترونيين، ويظهر إحدى شاحنات الأمن وهي تدهس متظاهراً لترديه قتيلاً على الفور. ثم شريط آخر عن إعدام متظاهر أعزل من جانب رجال الشرطة في الاسكندرية.
لم يتعب المدوّنون بعد، يؤكّدون أنهم مستمرون في النضال على الإنترنت والتلفزيونات، وفي الشارع حتى سقوط حسني مبارك... «حتى لو سقط منّا مليون شهيد، جدار الخوف لن يرتفع مجدداً».