بعد عودة الاتصالات جزئيّاً السبت، اتصلت بي الصديقة علا الساكت من القاهرة بابتهاجها المفرط المعتاد: «دا كان يوم عصيب». استغربت لأنني توقّعت أن يكون مزاجها أسوأ من مزاجي. لم أحظَ إلّا بساعتين من النوم ليل الجمعة، ولم يصدر مني شيء خارج ما يحدث في ميدان التحرير. كان يوماً عصيباً لي. لم أحبّ مصر. أو لم أفتّش عنها. قلتُ دوماً إنّها خرّبتنا بالثقافة الضحلة والأغاني الموسميّة والأفلام التي تتناسل ببلادة.

عندما كنا نتجوّل في بيروت، علّقت صديقة أخرى هي نسرين الزيّات بأنّها تفتقد «تفاصيل الشارع المصريّة». لم أفهم ماذا كانت نسرين تعني. ولأنني لم أزر مصر قبلاً، كنتُ فضوليّاً لأتقّرب منها افتراضيّاً. هناك، كانت مصر أخرى ـــــ هشّة ومجلتنة ـــــ تحاول أن تتجنّب العبث بالوقت. عرف المصريّون كيف يتجنبّون الوقت. سارة زيدان صبيّة خارج الزمن. تغمرُ نفسها طيلة الوقت بأغاني الستينيّات والسبعينيّات. وتشعر بأن «قلبها مكسور لأنها ولدت وعاشت في الاسكندريّة». عزّت القمحاوي، الذي يعرف كيف يمكن أن تصيب ابتسامته مقتلاً، يزجي الوقت بالاستسلام إلى «إغواء الطاهية الوحيدة» (نايجيلا) على قناة «فتافيت».
من بعيد، كان ارتباطي بمصر كمن يحارب جهله بالحنين. لكن اليوم، أشعرُ بأنني أنتمي إلى هؤلاء أكثر من انتمائي إلى عمّان. لم أفتّش عن مصر قبلاً. يبدو أنني كنتُ أفتّش عمّا ينقذني منها. لم أكن أعرف أن الشيخ إمام يمسّني اليوم كما لا يستطيع أيّ شخص آخر. ولم أعرف أنّ الانتماء إلى البلاد وهم كبير. ولأن حكّامنا نجحوا بتخريب كل البدائل، وسيّجوا بلادنا بصورهم، أنا أنتمي اليوم إلى من يحمل همّي ويشبهني في ميدان التحرير.
(عمان)