طيارة ورق


بدت أصابع رجب أرقّ من سيقان الورود، وهي تلف الخيوط السوداء والبيضاء حول العيدان بعزم وحذر متلعثم. استوطنت بقايا شحم السيارات تحت أظفاره، فصبغتها بالسواد ولم يساعده غسلها كل يوم إلا قليلاً. شحم السيارات التي يفك قطعها منذ خمسين عاماً لا يمر مرور الكرام فوق هذا الجسد، فيبدو رجب كأنه ولد بأظفار يتمدد تحتها سوادٌ أفحم من الليل.
«أنفخ معايا في الهوا يا عم، يمكن طيارتي تطير فوق الرؤوس»، قالت له الصغيرة بصوتها المشدوه الذي كان يبحث عن مكان له في زحمة الهتافات في الميدان. ترك رجب الجمع الذي كان قد انضم إليه بحثاً عن ابنته التي خرجت منذ يومين إلى الميدان ولم تعد، ويقولون إنها تركب أكتاف الشباب وتهتف بإسقاط النظام. أشاح رجب برأسه عن بحر الجموع وجلس أرضاً إلى جانب الصغيرة التي احمرّ وجهها من التعب، فجلست أرضاً لتأخذ قسطاً من التفكير بوسيلة تطير فيها طيارتها الورقية. أخذ رجب يتحسس طيارتها الورقية التي رسمت عليها عيوناً كبيرة ورموشاً سوداء أطول من رموشها هي، وفماً لونته بالأحمر.
فقدت أصابع رجب ذاكرة صنع طيارات الورق، فهي مذ كان في العاشرة تعد طبقات السواد التي تتجمع يوماً تلو اليوم. «علميني أعمل طيارة ورق وحانفخ معاكي في الهوا لحد ما نطيّر طيارتك»، قال عم رجب للصغيرة، فتنهدت طويلاً. فتحت حقيبتها الصغيرة التي كانت تحتضن كتفيها وأخرجت منها عيداناً وبعض الخيوط وقصاصات من الورق ولاصقاً.
رقصت أصابع رجب إلى أن صنع طيارة الورق. بدت النشوة عليه ونسي ابنته التي تهتف في وسط الميدان. ورفع الصغيرة فوق كتفه وطلب منها أن تبحث عن مكان، بعيداً عن الجمع كي يطيّرا طيارات الورق. كانت الجموع تصطف كالنمل تهتف ويتلاصق ببعضها ببعض وتنادي بإسقاط النظام. لمحت الصغيرة ريحاً فقالت لعم رجب: «شوف يا عم الميدان مليان بطيارات ورق، وفيه ريح جاية من بعيد وهتساعدنا».
كانت الريح شديدة فهبت وفتكت ببعض طيارات الورق، وكادت تطير الرؤوس التي وقع أصحابها على الأرض وهم لا يتوقفون عن الهتاف. ارتفعت طيارات الورق ترفرف في الهواء وبدت كأنها تلقي التحيات عليهم، وهم ينفضون غبار الريح عن ملابسهم يتململون للوقوف مجدداً، وأصواتهم تنفخ بالريح وترفع الطيارات أعلى وأعلى في السماء، فكادت تشقها.

خالد سالم

استيقظ في الصباح وكان يشعر ببعض الألم في صدره، لكنّ الميدان كان يرقص من حوله والأعلام ترفرف. عرف أنّ الحلم تحقق، فقرر المغادرة إلى مقهاه المحبب على بعد ثلاث ناصيات ليأخذ الصحيفة ويقرأ عناوين النصر على رائحة فنجان من القهوة. التقطت أصابعه الجريدة وترك ثمنها إلى جانب شباك الكشك قائلاً للبائع: «الباقي عشانك حلاوة الثورة». كانت عيناه الناعستان تمسحان التعب على مهل، وابتسامته على شفتيه تحيي الصباح وتقول: «صباح الخير يا وطن». أخذ مكانه المعتاد على الكرسي في المقهى بجوار الشباك ليراقب الشارع. فتح الجريدة وشاهد صورته وهو يهتف، فابتسم لها وقال للشخص الجالس على الطاولة المجاورة: «هذا أنا في الميدان». لم يلتفت إليه الرجل ذو النظارة السميكة. عزا السبب إلى قصر في النظر. ونادى محسن القهوجي، لكنّه لم يبتسم له هو الآخر. فقام من مكانه وبين يديه الصحيفة ونكش القهوجي في كتفه، فلم يعر وجوده اهتماماً. نظر إلى الصحيفة وقرأ تحت صورته: «خالد سالم، مدرس فنون استشهد في انتفاضة ميدان التحرير».
(برلين/ فلسطين)