لعبة شطرنج أميركيّة في قلب القاهرة

تتوالى الأحداث في مصر، ورويداً رويداً تتضح الصورة. تزاح الستارة ليتكشّف المشهد عن لعبة شطرنج تدور رحاها على أرض مصر بين خصمين، أحدهما يلعب بحبّ وعن جدارة، والآخر يلعب بغضب، لكن لا تعوزه الحنكة ولا الرغبة الجامحة في تحطيم الخصم.
الأول تعلّم أصول اللعبة من نشيد «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، ومن قصائد الأبنودي، وأغنيات أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام. والثاني لم يقرأ إلا كتاباً واحداً وهو كتاب «الأمير» لمكيافيلي. فلسفة الأول هي البقاء للوطن، وفلسفة الثاني هي البقاء لـ«الأصلح». الأول واقعي حالم بما يحلم به فلاح وعامل وربّة بيت وطالب، والثاني براغماتي إلى درجة الكابوس والبوليس. تدور اللعبة منذ أيام وأسابيع، وما تيقنّا منه حتى الآن هو هوية اللاعبين. أما مسار اللعبة فما زال مفتوحاً على شتى الاحتمالات. اللاعبان هما شعب مصر وحكومة الولايات المتحدة في معركة ستحدد روح مصر وهويتها.
اللاعب المصري افتتح لعبته بنقلات قوية ازدادت قوة وهجومية لتمتد على كل مدن «أم الدنيا»، فأربكت الخصم، وأفقدته ثڤته بنفسه، وبقدرته على المبادرة. إلا أن الخصم استردّ المبادرة تدريجاً وهو يحاول إنقاذ اللعبة من خسارة تكاد تكون محتمة. اللاعب المصري ملأ كلّ مربعات الرقعة وساحاتها، صارخاً «كش ملك». وملك الطرف الثاني ـــ وهو في هذه الحالة الرئيس حسني مبارك ـــ كان يفرّ من مربع إلى مربع، فيما تضيق الأرض من حوله ويضيق مجال المناورة.
وهكذا تستمر اللعبة بين لاعب مصري يملأ الساحات معلناً أن اللعبة انتهت، وسقوط الملك الأسود... فيما اللاعب الأميركي يحاول أن يستمر باللعبة بملك ميت ريثما يجد ملكاً بديلاً يواصل عبره حضوره على رقعة الشطرنج المصرية. هكذا يلعب الأميركيون، ومن لا تعجبه أصول اللعبة، فله من التسميات ما لا حصر له، ولن يكون أوّلها التخلف ولا آخرها الإرهاب.
هل سيتمكّن اللاعب المصري من الفوز؟ هذا ما ستبديه لنا الأيام وستكشف كل ما لا نعلم.
حكم مبارك انتهى كما يعلم القاصي والداني وصار من سخرية القدر، أنّه حتى لو أراد الرحيل، فإن من يحرّكه لن يسمح له بذلك قبل إيجاد بديل يستوفي شروطه. يتحدث كثيرون عن وقاحة مبارك وإصراره على البقاء، لكننا نكتشف لاحقاً أنّه كان يودّ التنحي، ليحفظ ما بقي من ماء وجهه، الا أن الولايات المتحدة لم تسمح له بذلك. وريثما تتم المفاوضات والمناقصات وعملية الاختيار في الغرف المغلقة، منع اللاعب الأميركي كل حجارة الملك الحالي من التحرك. لا أفيال الجيش، ولا فرسان الشرطة معها الإذن باللعب. وحدها بيادق البلطجة تعيث في الأرض فساداً، وتلهي اللاعب المصري، ريثما يجري اختيار رجل جديد للنظام في علياء القصور ومجالس الحكام والحكماء.
أيّ نقلة متسرّعة أو غير مدروسة من الطرفين قد تعلن نهاية اللعبة. لكنّ أميركا (وأذيالها) لا تستطيع احتمال خلق «إيران جديدة» في قلب المنطقة العربيّة... حتى وإن لم يكن الحكم المصري المقبل إسلامياً، يكفي أن يكون حكم مصر مستقلاً علمانياً وعربياً مصرياً، حتى تخرج أميركا عليه بالسيف وبتهم لا تنتهي عند الأصولية، لا فرق عندها إن حكم مصر رجل دين ملتح أو تشي غيفارا.
الثابت الوحيد أنّ نهاية هذه اللعبة حق حصري للاعب المصري. شعب مصر هو من له الكلمة الفصل بما يرضيه، وقد آن الاوان ألا يرضى «بما يرضي دم الإغريق». على المصري أن «يخلّي السلاح صاحي». نتذكر ما قاله ذات يوم الإمام موسى الصدر: «إنكم يا إخواني كالموج متى توقفتم انتهيتم». فيا ثوار مصر: لا تقفوا ولا تتوقفوا!
(نيويورك/ فلسطين)