الكاتب والناقد المغربي أحمد المديني عرّب أخيراً «خطاب السويد» (دار أزمنة)، وهو نصّ الخطاب الذي ألقاه ألبير كامو أمام الأكاديمية السويدية لدى تسلمه «جائزة نوبل للآداب» في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1957.

كان كامو يومها وحيداً ومنكفئاً على نفسه، لكنّه وجد نفسه فجأة في قلب الضوء الصارخ. على منبر «نوبل»، فكّر في كتّاب أوروبيين كبار أُخرسوا، وتذكر مسقط رأسه الجزائر الرازحة تحت الاستعمار الفرنسي. الخطاب في مجمله عرض لخصال مبدئية لكاتب طالما ندّد بكل أشكال الاستبداد والاستعباد، معتبراً الخوض في قضايا عصره من صميم اختصاصاته بوصفه كاتباً كبيراً، مفكراً رصيناً، وصحافياً مكافحاً.
يبرز في خطاب «نوبل» فكر كامو، ونظرته إلى فنه ودوره ككاتب. فالفن عنده ليس متعة متوحدة، بل «وسيلة لتحسيس أكبر عدد من الناس، وإعطائهم صورة امتيازية عن الأفراح والأتراح المشتركة»، ما يبعد الفنان عن أن يكون منعزلاً عن الناس والتجربة. الآخرون، المجتمع، الحقيقة التاريخية، التجربة... هذه مفاتيح أدب كامو وفكره. نسمعه يستشهد بعبارة لنيتشه مفادها أنّ الكاتب ينحاز إلى المجتمع «حيث لن يسود أبداً الحاكم بل المبدع، عاملاً كان أو فناناً».
ترددت في «خطاب السويد» عبارات بسيطة، لكنّها تقف وراء عظمة مهنة الكاتب: خدمة الحقيقة والحرية، ومقاومة الاضطهاد. نطق بها كامو في سياق تاريخ هائل، كان فيه ضائعاً وبلا أمل، مثل أفراد جيله. والجيل الذي يشير إليه كامو هو جيل بداية الحرب العالمية الأولى الذين واجهوا لاحقاً الحرب الإسبانية، والحرب العالمية الثانية، ومعسكرات الاعتقال، وأوروبا التعذيب والسجون. أكمل هذا الجيل تربيته ونشأته، بمواجهة حقيقته الذاتية والإنسانية. رغم أنّه جيل اشتهر بالتشاؤم والعدمية، لكنّه أيضاً اشتهر بالرغبة في تغيير كل شيء، وإعادة بناء العالم... أو كما يقول كامو يقول بصراحة شديدة: «منع امّحاء العالم».
«خطاب السويد» الذي ترجمه المديني برهافة، نص يدفعنا إلى إعادة قراءة كامو. يبدو الأديب والفيلسوف الفرنسي الشهير، شبيهنا في حمل إرث تاريخ فاسد، تاريخ الإيديولوجيات المنطفئة، وسيادة الجنون والكراهية والتفكك. هو شبيهنا أيضاً في رغبته في العيش الكريم، وفي المواءمة بين الثقافة والعمل، وإبرام التحالف بين البشر. ولعل هذه الأهداف هي ما يجعل الكتابة مهنة مكللة بالنبل، والكاتب في موقعه الصحيح: موقع المولعين بالعدالة.