بين أقرانه في مجلة «شعر»، وبينما كان التجريب الشعري في أوجه، اكتفى فؤاد رفقة (1930 ــــ 2011) بكتابة قصيدة مخلصة لمزاجه الخافت وروحه الرومانتيكية الميالة إلى لغة شعرية مخلوطة بالتأمل الفلسفي. في الوقت الذي نقّب فيه أدونيس عن حداثة قصيدته في التراث العربي، وعامل أنسي الحاج الجملة العربية بفظاظة، وغطّس الماغوط سيرته الشخصية في نهر الحياة العادية ومشهدياتها المهملة، ونزّه شوقي أبي شقرا قصيدته في طيّات المعجم اللبناني الريفي، كان فؤاد رفقة ينجز قصيدة خالية من الطموحات المتلاطمة حوله. بدا ذلك جلياً في باكورته «مرساة على الخليج» (1961) التي سجّلت اسمه في سجلّ رواد تلك الحقبة، لكنّها لم تضعه في الصفوف الأولى.

كتب رفقة قصيدة على مقاسه. الآن، ونحن نودعه، يخيّل إلينا أنّه أمضى حياته كلها في كتابة قصيدة واحدة تقريباً. لم نكن نجد فرقاً كبيراً في نبرته وعوالمه، ونحن نتلقّى مجموعاته الشعرية الجديدة. بطريقة ما، تحوّل دأبه الحثيث على استخدام النبرة نفسها إلى فن شخصي كامل. كأنّ الشاعر كان ينافس نفسه، لا بقصد التفوق عليها بل بقصد مجاراتها فقط. النبرة المحلّقة بجناحي التأمل الفلسفي والكآبة الشخصية، قادته لاحقاً إلى الشعر الألماني الذي «تقيم فيه الكتابة والفلسفة تحت سقف واحد»، وحيث «الكلمة الشعرية تفكر، والكلمة الفكرية تشعر»، بحسب قوله في إحدى مقابلاته. هناك وجد صاحب «أنهار برية» (1982) أجوبة عن الأسئلة التي أكثر من تردادها في أعماله، أو لنقل إنه وجد أسئلة أكثر حيرةً تصلح لحكّ أسئلته بها.
الشاعر الذي شغف بحركة الزمان وآلام الوجود، وجد لدى أقرانه الألمان شراكة روحيّة، لم تصالحه مع نصّه فقط، بل أوجدت لهذا النصّ هوية أو جنسية مكتسبة في لغة غوته. تعزّز هذا التصور أكثر مع توالي ترجماته لريلكه وهولدرلين وتراكل ونوفاليس وغوته. ترجمات منحته أسبقية وريادة في تعريف القارئ العربي بأهم التجارب الألمانية، قبل أن تتكلل بترجمة مجلد ضخم ضم مختارات لنحو أربعين شاعراً. أحياناً كنّا نظن أن شغله في الترجمة تفوّق على كتابته للشعر. كأنّ ترجماته كانت قصائد حلم بإنجازها، أو أَمِل أن تتكفّل الترجمة بجعله شريكاً في كتابتها. هكذا، ارتبط اسم فؤاد رفقة بالشعر الألماني. عامله الألمان كممثل لهم في الثقافة العربية. في البداية، قدّموا له منحة دراسية تُوّجت بحصوله على شهادة الدكتوراه في بحث حمل عنوان «الجمال عند هايدغر». ومع صدور ترجماته، كرّموه أكثر من مرة، واستضافوه كاتباً زائراً في جامعاتهم، ومنحوه جوائز عدّة كانت أخيرتها ميدالية «غوته».
من فلسفة هايدغر وشعرية ريلكه وأصحابه، تسرّب «شيءٌ ألماني» إلى نصوصه الشخصية. تعززت مناخات الزهد والطبيعة والتأمل والخلود والعزلة. المفردة لأخيرة لم تكن ممارسة شعرية فقط، بل طريقة في العيش تفاقمت في سنواته الأخيرة، وأبعدته عن مجتمعات الشعراء والصحافة. لكنّ عزلةً من نوع آخر جاءت من بقاء الشاعر على حاله وسط تغيّرات هائلة وعميقة أصابت الشعر. صاحب «عودة المراكب» (2009) الذي فضَّل مجاراة نفسه، لم يفكر أحدٌ من لاحقيه بمجاراته. احترم الآخرون تجربته، لكنّ ذلك لم يترافق مع تقدير نقدي لنصوص هذه التجربة التي ظلت ترواح بين وضوح المعنى وبساطة التعبير. بالنسبة إلى كثيرين، بدت تجربته في الترجمة متفوّقة على تجربته في الكتابة.
أسئلة الوجود والموت حضرت بكثافة في أعمال فؤاد رفقة كلها. لهذا لم يكن غريباً أن يحضر الموت في عنوان مجموعته الأخيرة «محدلة الموت وهموم لا تنتهي» (دار نلسن ـــ 2011). مع ذلك، يُباغتنا أن الشاعر كتب قصائد المجموعة كمن يؤلف جنّازاً لنفسه. هناك نوع من الوداع لغياب شخصي في سبيله إلى الاكتمال. في المقطع الأول، نقرأ حواراً بين أبدية الموت وزوال الكائن: «- من أنت؟/ - صاحبُ الأرض/ - ماذا تريد؟/ - أن تُخلي المكان/ - لمن؟/ لمستأجر جديد». وفي مقطع آخر، يضع المنجل الأعمى للموت داخل فكرة أوسع: «أبعدَ من الأفق/ ومن سديم الغيب/ كنتَ البارحة/ واليوم/ أقرب للعين من البصر/ أيها المنجل الأعمى». ثم يراهن على نيتشوية «العَوْد الأبدي»، ويرى الشاعرَ «أبدياً لا يموت»، رغم أنّه «يُبطئ/ يُقصر الخطى/ عسى الطريق يطول/ فلا يصل باكراً/ قبل الأوان». الكتابة هنا تعوم على رؤيا وجودية يسعى فيها الشاعر إلى ملامسة المطلق، حيث الشعر «ثمرةٌ/ طائرٌ ينقرها/ فتقطرُ/ تحتها فلاحُ الشعر/ يمدُّ رجليه/ يفرش المائدة»، والموت «محدلة لا تعرف الضجر». ما نقرأه هو «عناق بين الشعر والفلسفة» كما كان يطيب للراحل أن يصف مزاجه الشعري، لكن هذا العناق ظل يُترجم باستعارات وصور تجاوزها الآخرون.




اللقاء بريلكه

تُرى كيف كانت ستكون تجربة فؤاد رفقة لو لم يعثر بالمصادفة على ترجمة إنكليزية لـ«مراثي دوينو» في احدى مكتبات بيروت؟ هذا اللقاء بريلكه كان حاسماً في مسار صاحب «كاهن الوقت»، وارتباط اسمه بالشعر الألماني تحول في أذهاننا إلى نوع من البداهة، إلى حدّ أن ترجمات الآخرين كانت تذكرنا بريادة ترجماته. هذا ما حدث، مثلاً، حين أصدر الشاعر العراقي كاظم جهاد ترجمة كاملة ومميزة لأعمال ريلكه قبل سنتين.
نتذكر أن الترجمة عن الفرنسية والانكليزية كانت أشبه بمرجعية مقترحة لحداثة الشعر العربي في خمسينيات القرن الماضي. وهذا يعني أنّ جهود فؤاد رفقة تمتلك قيمة إضافية من خلال إنزاله لبضاعة مختلفة إلى سوق الشعر في تلك الحقبة. لا بد للأبدية التي طاردها الشاعر في أعمال أقرانه الألمان من أن تحفظ اسمه في ذاكرتنا بعد غيابه.