«هل يمكن عبوة سبراي أن تكون أمضى من السيف؟» يسأل الصحافي البريطاني وليام بيري. هذا الأخير يشارك بمساهمة نقديّة بعنوان «فن المقاومة» ضمن كتاب «غرافيتي عربي» (From here to fame) الذي أعدّه وحرره الباحث والفنان اللبناني باسكال زغبي، ورسام الغرافيتي الألماني دون كارل ـــــ ستون. بعد سنوات من البحث، خرج المؤلفان بمجلّد ضخم يجمع أبحاثاً وصوراً توثّق لرسوم الجدران العربيّة حول العالم.

يتوجه الكتاب الصادر بالإنكليزية إلى قارئ غربي. في دراسة مقتضبة، تشرح الباحثة والمصممة اللبنانية هدى أبي فارس لهذا القارئ، نشأة الحروفية العربية بما هي فنّ مقدّس، وارتباط النسخ بالنص القرآني. الخطاط العراقي الشهير مالك أنس الرجب، يراجع العلاقة بين تقاليد فنّ الخط العربي، والتجارب المعاصرة، معتبراً أن الغرافيتي قد يكون مساحةً غنيّة للتزاوج بين القديم والجديد. من جهته، يرى الخطاط العراقي حسن المسعودي أنّ فنّ الحرف، والغرافيتي «ابنتان للوالد نفسه»، مع فرق أنّ «فناني الغرافيتي يعملون ضدّ القانون (...) ويحتلون الشوارع...».
إلى جانب البعد النظري، يأخذنا الكتاب في جولة بين البحرين وبيروت والمخيّمات الفلسطينية، في محاولة لفهم الرابط بين تقاليد فنّ الخط، وفورة الغرافيتي، والتحولات السياسية. في البحرين مثلاً، تأخذ رسوم الحائط طابعاً كربلائياً. أمّا في بيروت، فيتحوّل رسم الشعارات على الجدران إلى علامة لرسم حدود المناطق، وتحديد نفوذ الأحزاب والطوائف. يعدّ الغرافيتي فناً ناشئاً في العاصمة اللبنانية، وقد ارتبط ظهوره خلال العقد الماضي بفورة فنون بديلة، وكان أول من رسموا على جدران العاصمة فنانو «هيب هوب» مثل فرقة «أشكمان» والفنان البصري سيسكا.
يلحظ الكتاب أنّ أول إرهاصات الغرافيتي العربيّ، نشأت على جدران المخيمات بعد النكبة، دليلاً على أنّ الغرافيتي شكل تعبير سياسي بامتياز. أمّا حائط الفصل العنصري، فتحوّل إلى منبر للفنانين حول العالم، ما جعله «عريضة بصريّة» ضدّ ممارسات الاحتلال، بحسب وليام بيري.
يقودنا زغبي وستون في رحلة مذهلة، لتعقّب الغرافيتي العربي بين باريس، ومونتريال، وكولونيا الألمانية، وبرمينغهام البريطانية. يصعقك تنوّع الغرافيتي العربي في تلك المدن، وتكتشف أنّ من يقف خلفه فنانون من أبناء المهاجرين. كأنّ الغرافيتي وسيلتهم لفرض هويتهم على المدينة، كما في أعمال السيد، ومحمد علي... يوثّق الكتاب لكل أشكال الغرافيتي النضالي والسياسي. بعد قراءة الأبحاث والصورة التي جمعها المؤلفان، يبقى سؤال عابر: لماذا اختار باسكال زغبي أن يفتتح كتابه مع قصة غريبة عن سبراي وطبشور استخدمه شباب «ثورة الأرز»، في ساحة الشهداء عام 2005؟