الرباط | في عهد الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، كانت تقام حفلات تتغنى به وتمدح إنجازات البلد. وبعد مجيء محمد السادس إلى الحكم، اختفت هذه الموجة. لكن بعد عشر سنوات على اعتلائه العرش، عادت موسيقى مديح القائد وإنجازاته. وهذه المرة من نافذة الراب التي يفترض أنّها الأكثر تمرّداً ومشاكسة.


«حمراء وخضراء نجمتنا العالية»، بهذه الجملة تبدأ أغنية «حمرا وخضرا» لفرقة «فناير» المراكشية. الفرقة من المجموعات الشابة التي تتمتع بجمهور كبير داخل المملكة. لكنّها تحولت أيضاً إلى بوق لخطاب شوفيني، يلجأ ـــــ وفق توصيف بعضهم ـــــ إلى تضخيم الذات الوطنية بهدف التطبيل للنظام. الأغنية وفق البيان الصحافي الذي واكبها جاءت كي تكون «معبرةً عن حب وسيادة الوطن بالأحمر والأخضر، ألوان العلم المغربي؛ ومواكبة لحركة التغيير والتنمية التي يعرفها المغرب، ومساندة بذلك الشباب في مطالبهم، وداعية إلى السلوك الحضاري في الاحتجاج واحترام المقدسات الثلات للوطن». والملاحظ أن المعجم الذي يستخدمه هذا البيان الترويجي، شبيه جداً ببيانات بعض الأحزاب السياسية المقربة من السلطة.
في بدايتها، كانت الموجة الموسيقية الجديدة التي أطلق عليها اسم «نايضة» تضجّ بخطاب متمرد على الأوضاع الاجتماعية والسياسية. لكن في منتصف العقد الأخير، حلت موضة جديدة، إذ أصرّت بعض الفرق الشابة على على تأكيد «وطنيتها» والتغني بها. هكذا امتدّت ظاهرة «الراب الوطني» امتد من «فناير» وفرقة «آش كاين» المنحدرة من مدينة فاس... إلى مجموعات شابة لم تفرض نفسها على المستوى الجماهيري. وراح بعضها يزايد على البعض الآخر، حتّى غصّ هذا الاتجاه بجرعة زائدة من الوطنية.
محمد المغاري الشهير باسم «مومو» وهو مؤسس مهرجان «البولفار»، يؤكد لـ«الأخبار» أنّ «تركيز مجموعات الراب الشابة على انتاج أغنيات وطنية جاء رد فعل على الانتقادات التي تعرضت لها موسيقى الشباب في منتصف الألفية الثانية». ويضيف: «الحرس الموسيقي القديم والإسلاميون، كانوا يرونها موسيقى هجينة لا تنتمي إلى الثقافة المغربية، وبالتالي لا تعبر عن الهوية المحلية. وللرد على هذه الانتقادات، أنتج الموسيقيون الشباب أغنيات «يؤكدون بها انتماءهم إلى الوطن وإلى ثقافته». غير أن ردّ الفعل تحول تدريجاً إلى ماركة مسجلة لدى بعضهم. أما السلطة، فوجدت في هذا النوع من الموسيقى الشبابية بوقاً دعائيّاً لها لاكتساب شرعيّة في صفوف الشباب. وفتحت القنوات التلفزيونية الحكومية أبوابها لكل الفرق التي تسير في هذا الاتجاه. أما المهرجانات التي تنظمها مؤسسات رسمية، فشرّعت ذراعيها لهذه المجموعات أيضاً، وبشكل أساسي.
باري، مغني الفيوجن والهيب هوب قال لـ«الأخبار» إنّ الاحتفاء بالفرق التي تقدم هذا الخطاب ينبع أساساً من غياب ثقافة موسيقية لدى منظمي الاحتفالات الذين يروجون لهذه الأغنيات. لكنّه يؤكد أنّ هذا لا يعني «أنه يوجد بالضرورة لدى هؤلاء انتهازيّة وتقرب من النظام». ويلاحظ أنّ «جزءاً كبيراً من الجمهور وبعض المنظمين لا يملكون ثقافة موسيقية كبيرة، ويعجبهم هذا الشكل من الموسيقى».
لا بد من الاشارة أيضاً إلى أن الإذاعات الخاصة، بدورها، تقبل على هذا النوع من الأغنيات: «الراب الوطني يُبثّ في أوقات الذروة، لتحقيق أعلى نسبة استماع ممكنة»، تشرح مقدمة برامج في إحدى الإذاعات الخاصة.
من جهته، يرى مومو أنّ انتشار الأغنيات الوطنية في الراب يعود إلى غياب الوعي السياسي والاحتجاجي عند الفرق الجديدة. معطى يوافق عليه باري الذي يضيف أنّ المشكلة ترتبط أيضاً بضعف في كتابة الكلمات عند بعض الفرق: «تلاحظ غياب الاشتغال على الكلمات، والكل يردد العبارات نفسها التي تركز على مواضيع تجدها في الخطاب الرسمي. ما تسمعه في ألبوم، ستسمعه بالضرورة في آخر» يشرح باري.
أزمة الكتابة إذاً، وغياب البعد السياسي عند المغنين يدفعان إلى انتشار عبارات مسكوكة حول الراية الوطنية، وأرض الأجداد، ومن «طنجة إلى الكويرة»... في إشارة إلى الإجماع الوطني على مغربية الصحراء. هذا الأمر يحوّل الموسيقى إلى خطاب يحمل أحياناً بعداً وعظياً وإرشادياً. «كم تبقى من الذين غنوا عن الوطنية في السبعينيات والثمانينيات؟ اثنان أو ثلاثة، والباقي اختفوا من الساحة» يختم مومو.