تدوّن رواية «مولد الحرية الجديد» صور الحرب الأهلية الأميركية ويومياتها. صدرت الرواية عن «دار الجمل» بنسخة معرّبة تحمل توقيع بدر شاكر السياب، وهي من تأليف الكاتبة الأميركية فرجينيا س. إيفرت. في الشكل، تأخذ الرواية طابعاً تسجيلياً ليوميات الحرب الأهلية الأميركية التي دامت أربع سنوات (1861 ــــ 1865). أما في المضمون، فيظهر حرص المؤلفة على تسليط الضوء على حياة أبراهام لينكولن وأفكاره.

لعل أهم ما حاولت المؤلفة إظهاره، هو هوس لينكولن الرئيس بتحرير السود من نير الاستعباد، وعزمه على إلغاء قانون الرق في الولايات المتحدة. منذ تسلمه كرسي الرئاسة في 4 آذار (مارس) 1861 حتى تاريخ اغتياله في 14 نيسان (أبريل) 1865، دفع لينكولن ثمن موقفه ذاك. دعوته الملحّة إلى تحرير العبيد كانت من الأسباب التي أطالت أمد الحرب، ومنحته أعداءً وخصوماً كثيرين. إلا أنّها أسهمت ـــــ كما جاء في الرواية ـــــ في حسم الحرب لمصلحته، إذ انضم العديد من العبيد المحررين إلى جيشه. بالنسبة إلى القارئ العربي، تمتلك الرواية أهمية مضافة، وخصوصاً أنّ من عرّبها شاعر مجدد، وأحد أهم رواد الشعر العربي الحديث، أي بدر شاكر السيّاب. ولعلنا نقف حيارى إزاء هذا: كيف يترجم صاحب «الأسلحة والأطفال»، ومن وقف ضد الحروب بصلابة، رواية زاخرة بالموت والدم، عابقة برائحة البارود؟ ولماذا يترجم السيّاب هذه الرواية بالذات، ويترك جانباً عشرات الدواوين الشعرية التي كانت تلامس ميوله وأفكاره بعمق أكبر؟ والسؤال الأهم، هل ترجم السيّاب هذه الرواية بالفعل، أم لا؟
للإجابة عن هذا السؤال نقف على حقيقة أوردها عيسى بلاطة في كتابه «بدر شاكر السيّاب، حياته وشعره» («دار النهار»، 1971)، ومن خلالها نتأكد من أنّ السيّاب، قد ترجم الرواية فعلاً، تحت قهر الفاقة والعوز. «في عام 1961، حملته الحاجة إلى المال على أن يقبل ترجمة كتابين أميركيين بتكليف من «مؤسسة فرنكلين» الأميركية في بغداد، وأن يراجع لها ترجمة كتاب ثالث ويكتب له مقدمة. (...) وقد ترجم بدر لهذه المؤسسة «الجواد الأدهم» من تأليف والتر فارلي، ويجب أن يكون قد قبض مقابل ذلك حوالى 230 ديناراً عراقياً. وترجم كذلك «مولد الحرية الجديد» من تأليف فرجينيا س. إيفرت، ويجب أن يكون قد قبض مقابل ذلك حوالى 320 ديناراً عراقياً. وراجع أيضاً ترجمة كتاب «توماس جفرسون» من تأليف فنسنت شيان، وترجمة جاسم محمد، وكتب للكتاب مقدمة، ويجب أن يكون قد قبض مقابل ذلك حوالى 35 ديناراً عراقياً. والواقع أن بدراً لم تُدفع له قط مبالغ طائلة كهذه من أجل أي عمل أدبي قبل ذلك، لكن أعمال الترجمة استغرقت الكثير من وقته حتى إنه لم يكتب إلا القليل من الشعر في هذه المدة».
لكن هل نشرت مؤسسة فرنكلين هذه الرواية، بعدما تسلمت ترجمتها من السيّاب؟ وهل وصلت المخطوطة المترجمة إلى «دار الجمل» عن طريق هذه المؤسسة؟ أم أنّ «دار الجمل» أعادت طباعة الرواية بعدما عثرت على نسخة مطبوعة منها؟ هذه الأسئلة وغيرها، كان على «دار الجمل» أن تجيب عنها، بمقدمة، توضح للقارئ كيفية وصول المخطوطة إلى الدار.
وكان على «دار الجمل» أن تنتبه إلى كثرة الأخطاء الإملائية والنحوية الواردة في سطور الرواية، إضافةً إلى العديد من العبارات الركيكة التي لا يمكن لشاعر بحجم السيّاب أن يسطرها، مثل: «اللهيب ارتفع، ملتهماً جزءاً بعد جزء من الثكنات المفروض فيها أنها لا تؤثر فيها النار» (ص.17)، و«وإنه لملائم مناسب أن نفعل هذا» (ص. 190).
قد يظنُّ القارئ أنّ السبب في اختيار السيّاب لترجمة هذه الرواية، هو إعجابه بنضال لينكولن من أجل إلغاء قانون الرق، لكنّ عيسى بلاطة يشير في كتابه، إلى أنّ السيّاب لم يختر الرواية، بل فرضتها عليه المؤسسة لكونه كان يعمل موظفاً لديها.