منذ فترة، قدّم المتبارون في «مسابقة تيلنيوس مونك الدولية للجاز» أفضل ما عندهم للحصول على الجوائز الأولى لدورتها الخامسة والعشرين. مكانة المسابقة المرموقة عالمياً، من شأنها أن تجعل الرابح محطّ اهتمام شركات الإنتاج والجمهور.

نستغلّ هذه المناسبة اليوم لنعود إلى دورة السنة الماضية من المسابقة التي شارك فيها الموسيقي اللبناني الشاب طارق يمني. المسابقة تطرح عنواناً رئيسياً لكلّ دورة، يُحدَّد انطلاقاً من مجالات الجاز الأساسية (الغناء، العزف على البيانو أو الساكسوفون أو الترومبت أو الغيتار، إلخ...)، إضافة إلى مجال ثابت في كل الدورات هو التأليف الموسيقي. في المجال المتبدّل كل سنة، تُمنَح ثلاث جوائز، أولى وثانية وثالثة (وأحياناً رابعة وخامسة)، فيما ينحصر التقدير في جائزة كبرى وحيدة في فئة التأليف.

السنة الماضية، كان محور الدورة الغناء. لذا، كان على طارق يمني أن ينخرط في المباراة من باب التأليف، بما أنّه عازف بيانو، شرط أن يكون الصوت البشري عنصراً أساسياً في المقطوعة المقترَحة، بما أنها «دورة الغناء».
كتب طارق مقطوعة «سماعي يمني»، وسجّلها على عجل في سوريا مع المغنية رشا رزق، وأرسل المادة إلى إدارة المسابقة. ساعد أداء رشا على إيصال الفكرة الموسيقية المحوريّة، غير أنّ الأساس كان في التأليف الذي نال عنه يمني الجائزة الوحيدة في المسابقة.
طارق يمني (1980) مارس الموسيقى عزفاً واطّلاعاً وتذوقاً منذ صغره. علاقته الأولى مع البيانو بدأت عصامية. تلتها تجارب فنية لم تضعه في خانة الاحتراف. فقد شارك في مشاريع هيب هوب (فرقة «عكس السير») وفيوجن وموسيقى لاتينية (فرقة «فنجان شاي» التي كان من مؤسسيها عام 2002) وموسيقى إلكترونية.
لكنّ انخراطه في عالم الجاز، دفعه للسفر إلى هولندا لدراسة أصوله (2005 ــ 2009)، بعدما درس المعلوماتية في الجامعة. مَن سمِع طارق عازفاً قبل سفره (2005)، لاحظ التطوّر النوعي الذي طاول تقنيات الرجل في العزف على البيانو، والتطور العام في شخصيته ورؤيته الموسيقية بعد 2009. هكذا رجع يمني إلى لبنان متسلّحاً بخبرة أكاديمية (أو أكثر)، وحاول إيجاد أطر تعبير مناسبة له، فأقام أمسيات خاصة (عزف منفرد) كما شارك في العزف إلى جانب موسيقيين محليين أو عازفي جاز أجانب زاروا لبنان في السنوات الأخيرة.
نال طارق يمني جوائز عدة، ورُشّح لنيل أخرى، لكن حصوله على جائزة التأليف الموسيقي في «مسابقة تيلنيوس مونك الدولية للجاز» (التي تحمل بالمناسبة اسم أسطورة في التأليف والعزف على البيانو)، أعطاه دفعاً كبيراً، لم يرَ في لبنان مجالاً لتوظيفه. الإنجاز أكسب يمني ثقة بالنفس، ووضعه أمام تحديات جدّية، وخصوصاً في مجال التأليف، وهو الأصعب على الإطلاق في مجال الجاز، وغيره من الأنماط الموسيقية المرموقة. أولى الخطوات في هذا الاتجاه ستتمثّل في ألبومه الخاص الأول الذي يصدر نهاية السنة الحالية. وقد اعتمد فيه تركيبة غير تقليدية (بيانو، درامز، وتوبا)، وأسلوباً خاصاً في التأليف، يجمع بين الكلاسيكي والحديث، لكنّ الفنان الشاب لم يجد أي حضن محليّ، جماهيري أو غيره، يؤمن له الحد الأدنى من الحماسة للعمل والإنتاج. عندما التقيناه، تحدث بشغف عن الموسيقى وعن «معشوقيْه» كولتراين وباخ، لكنّه كان منهمكاً في ترتيب أغراضه... وهاجر بعد أيام إلى أميركا.