كشفت قناة mtv أوّل من أمس (كل أحد 21:45) عن برنامج «دقّ الجرس» (إنتاج جنان ملاط) الذي يعدّ النسخة العربية من برنامج Au tableau الفرنسي. أصرّت ملاط أن يكون رئيس الحكومة سعد الحريري ضيف الافتتاح، بخاصة أنه أثار جدلاً كبيراً باستقالته المزعومة من الرياض قبل أشهر. على أبواب الانتخابات النيابية في أيار (مايو) المقبل، وجد الضيف في «دقّ الجرس» فرصة لـ «تلميع صورته» والترويج لمشروعه ولـ «تيار المستقبل»، وإن كان الترويج قد تم بطريقة غير مباشرة وباستغلال... الأطفال.


في بداية الحلقة، كشف الحريري عن بعض التفاصيل حول علاقته بوالديه، وكيف تعيش أمّه العراقية المستقرة حالياً في الأردن، وطلاق والديه في صغره. كما عرّج الطلاب الذي يلعبون أيضاً دور المحاورين، على حياة الحريري الاقتصادية وخسارته ثروة تفوق المليار دولار. طرحوا العديد من الأسئلة الجميلة عن حياة السياسي التي لا يعرفها المشاهد، لكنهم بدوا كأنّهم يسمّعون دروسهم في بعض الأماكن، على غرار سؤال حول ميزانية شركة «سعودي أوجيه» التي خسرها الحريري. في البداية، «اشتهى» المشاهد أن تكون مدرسة «الشانفيل» التي صوّر فيها «دقّ الجرس» هي مدرسته الحقيقية التي تختصر المدارس اللبنانية. الصفّ كان مفعماً بالألوان الفرحة، ومزيّناً بالكتب «المهندسة» والمرتبة، بما لا يعكس أبداً الصورة الحقيقية لمدارس لبنان، خصوصاً الرسمية التي لن تكون طبعاً مكاناً لتصوير البرنامج. كما أُحضر الطلاب من مدارس خاصة (تحديداً من بيروت) معروفة بأقساطها الغالية، وأهمل فريق العمل طلاب الرسمية الذين يشكّلون شريحة كبيرة من اللبنانيين. بالنسبة إلى الضيف أي الحريري، فقد كان «ممثلاً» بارعاً وحفظ الأجوبة غيباً. صحيح أنه كان صريحاً في بعض النقاط وقال أنه لم يكن يتوقّع يوماً أن يعمل بالسياسة، لكن جوابه كان «رمادياً» دوماً، من دون أن يأخذ موقفاً في أيّ سؤال يطرح عليه. فهو لا يزال على علاقة جيدة مع السعودية، ويحب جميع السياسيين، وعلى علاقة طيبة بأخوته. أجاب على غالبية الأسئلة بأسلوب «شفّاف متصّنع». فبين الدول، يختار لبنان للعيش فيه، لأن «لبنان الوطن»! الترويج السياسي للانتخابات كان عنوان الحلقة، لكن في المقابل عرّى «دقّ الجرس» الحريري بسؤال غير متوقّع. حين سأله أحد الأطفال عن سعر ربطة الخبز، سكت الحريري برهة. إنه سؤال صعب! فكّر قليلاً وأجاب «يمكن 500 ليرة!». هنا ارتفعت سخرية الأطفال وتحوّل الحريري إلى «مضحكة». جواب كشف كم أنّه بعيد كل البعد عن حياة اللبنانيين وواقعهم وهمومهم المعيشية والاقتصادية. بعض المتابعين رأى أن رئيساً لا يعرف سعر ربطة الخبز، هو غير قادر على إدارة بلد يتخبّط يميناً وشمالاً بالمشاكل الاقتصادية، فيما تساءل آخرون: هل يأكل الحريري «الباغيت» أو «الكرواسون»؟
كان بإمكان جنان ملاط أن تقطع المشهد عبر المونتاج، لكنها تعلم جيداً أسس اللعبة التلفزيونية جيّداً، وتعرف أن هذا الجواب سيشكّل قنبلة الحلقة، خصوصاً أنّ البرنامج برمته قائم على الترويج للضيف بشكل غير مباشر. صحيح أنّه تمّ استغلال الأطفال بشكل واضح في هذه اللعبة، لكن جواب الحريري خفّف من وطأة الهجوم على البرنامج.
من لغة جسده، ظهر الحريري مرتبكاً أمام الأطفال الذين بدا عليهم الارتياح أكثر من الضيف نفسه. في البداية، بقي رئيس الحكومة جالساً لدقائق على الطاولة شارداً بالأطفال، لتأتيه لاحقاً الإشارة في أذنه (ربما من المخرجة أو أحد معاونيه) بالتحرّك في الصف كي يبدو على طبيعته. هنا، كانت الحيلة التي كشفت عن توتّر الحريري. خلع الجاكيت. هذه الحركة ذكّرت المشاهد بإحدى استعراضاته في أحد المهرجانات السياسية، مما عرّضه يومها للسخرية. شرب الحريري المياه مرات عدّة، وهو مشهد يذكّر بالمقابلة الشهيرة التي أجرتها معه بولا يعقوبيان خلال اعتقاله في السعودية، إلى درجة أن بولا يومها تبرّعت بكوب الماء المخصّص لها كي «يبلّ ريقه». يحاول الحريري مراراً أن يبدو على طبيعته، لكن الافتعال يكون سيّد المشهد. الحريري الذي يحاول معاونوه (مستشاروه) أن يظهروه دائماً بصورة «السياسي الشفّاف» الذي يتأثّر بحياة المواطنين جرياً على الحملات الترويجية لبعض الرؤساء الأجانب، يفشل دوماً في الامتحان. وقد نجح «دقّ الجرس» بانطلاقته لأنه لم يظهر الحريري بصورة «السياسي المثالي القريب من الناس»، بل كشف عن الهوة الشاسعة بين السياسي والمواطن العادي الذي يشتري الخبز يومياً.

* «دقّ الجرس» كل أحد (21:45) على قناة mtv