منها انطلقت أدبيات «ثورة 14 فبراير»، واستعملت للمرة الأولى. كان عمود منصور الجمري مصدر اسم «ثورة اللؤلؤ» الذي صار يستخدم على نطاق واسع في التعبير عن الحراك السياسي البحريني والمعرّف الرئيس لـ «جماعات الكراهية» الموالية للنظام. لذلك كان الشغل الشاغل للسلطات الخليفية في البحرين خلال حرب التطهير الطائفية والسياسية أن يخمد صوت «الوسط» أيضاً.


منذ اليوم الأول للثورة، لم يتوقف التحريض على صحيفة «الوسط» البحرينية المقربة من المعارضة، اذ دفعت الثمن غالياً على تغطيتها الاعلامية للأحداث وعملها كمرصد لانتهاكات السلطة، على المستوى الداخلي: تم وضع 9 من كتابها في قوائم «العار البحرينية»، بينهم رئيس تحرير الصحيفة منصور الجمري. وهوجمت المطبعة التابعة للصحيفة من قبل رجال مسلحين بالسكاكين والهراوات. كما تمت محاصرة مقر «الوسط» لحظة الهجوم على دوار اللؤلؤة من قبل دبابات الجيش ليلة ما بات يعرف بـ «خميس البحرين الدامي»، وصولاً إلى محاكمتها على الهواء مباشرة في إحدى حلقات برنامج «الراصد» على تلفزيون «البحرين». أمر أدى إلى مقتل الناشر وعضو مجلس إدارة «الوسط» كريم فخراوي تحت التعذيب في أحد مراكز الشرطة.
وعلى المستوى الخارجي، تجاهلت الخارجية الأميركية التعليق على قضية إغلاق «الوسط»، فيما اكتفت الحكومة البريطانية بالقول على لسان الوزير أليستير بيرت بأنها «تراقب عن كثب» إغلاق الصحيفة بالرغم من حصولها على تكريم دولي من قبل منظمات صحافية عالمية دعماً لموقفها في حرية التعبير والنشر.
«كبرى الصحف البحرينية المستقلة» بتعبير لجنة حماية الصحافيين، جاءت كجزء من التسوية السياسية نهاية التسعينيات بين النظام البحريني و«التيار الشيعي». وكخطوة تصالحية، اعطى الملك حمد آل خليفة تصريحاً باصدارها الى والد منصور الجمري الشيخ عبدالأمير الجمري، عاد للاستفادة منه منصور بعد عودته من منفاه البريطاني رافضاً للمناصب السياسية جميعها، وقبل فقط أن يأخذ تصريح «الوسط» من والده ليدير الصحيفة على مدى 16 عاماً باقتدار. بحسب مراقبين، نجحت الصحيفة مالياً واعلامياً في الداخل البحريني منذ العام الأول (المقر الرئيسي مؤجر بالكامل لمصارف وشركات كبرى، وما زالت تملك اصولاً واستثمارات اضافة الى المطبعة). لكن اليوم، أين يقف الجمري الابن بعد التلفيق الأخير ضد الصحيفة والتوقف عن الصدور؟ التسوية انتهت، الآلاف من الشعب في السجون، على رأسهم غالبية زعماء المعارضة. الصحيفة التي كان يديرها انتهت، حتى تعليقه على اخلاء المبنى الأخير يوم الأربعاء الماضي لم يكن سوى تغريدة حوت كلمة «وداعاً» عبر صفحته على تويتر.
اذا، تم إخلاء مبنى الصحيفة وتسليمه إلى المالك قبل أيام، مع انتهاء العقد السنوي رسمياً في هذا التاريخ، بعد تسعة أشهر من قرار إيقاف الصحيفة لأجل غير مسمى.
وهذا هو الايقاف القسري الثالث للصوت المزعج للنظام في البحرين، فالأول كان في أعقاب تغطية أخبار ثورة 14 فبراير 2011. عادت بعد يوم واحد إثر تسوية تم بموجبها إبعاد مؤقت لرئيس تحريرها منصور الجمري وطاقمه الإداري بعد اتهامهما ببث أخبار كاذبة. أما الايقاف الثاني، فكان قبل أكثر من عامين بحجة نشر خبر على موقع «الوسط أولاين» عن مقتل بعض جنود التحالف العربي في اليمن دون وصفهم بالشهداء. «الحقيقة أنه تم نقل الخبر حرفياً بصفة عاجلة عن قناة «العربية» السعودية بالنص دون تغيير COPY PASTE. وفي الحوادث الثلاث، كانت هناك مراكز قوى وشخصيات بعضها إعلاميون وصحافيون، يمارسون جهاراً التحريض على إغلاق الصحيفة»، بحسب مصدر من «الوسط» .
كما شهدت في العام 2017 إيقافاً مؤقتاً لموقعها الإلكتروني لمدة ثلاثة أيام، بعد نشرها صور ثلاثة نشطاء تم إعدامهم رمياً بالرصاص (عباس السميع، علي السنكيس، سامي مشيمع)، خلافاً للتعليمات التي تلقتها الصحف المرخصة في البلاد.
أما المرة الثالثة والأخيرة، فجاءت بعدما أوقفت وزارة شؤون الإعلام البحرينية الصحيفة في الخامس من حزيران (يونيو) 2017 حتى إشعار آخر، إثر اتهامها بـ «نشر مقال يتضمّن إساءة لإحدى الدول العربية الشقيقة»، في إشارة إلى مقال للكاتب قاسم حسين (العدد رقم 5384) حمل عنوان: «احتجاجات الحسيمة المغربية تعيد قرع الأجراس». في هذا المقال، استعرض الكاتب حراك الريف في المغرب الذي تصدر نشرات الأخبار العالمية مطلع العام الماضي.
وتعليقاً على المنع الأخير للصحيفة، شرح قاسم حسين لصحيفة «الأخبار» سبب الاغلاق الحقيقي، بالقول: «منذ البداية، رأى كثيرون جانب الكيدية في قرارالمنع الذي جاء بحجة نشر مقال يسيء لدولة شقيقة، مع أنه مقال تحليلي بحت، يلقي الضوء على احتجاجات مدينة الحسيمة المغربية. وهو ما زال منشوراً على الموقع الالكتروني. وعموماً، هذه الحجة لم تكن مقنعةً إطلاقاً للشارع البحريني، فأنت ككاتب صحافي، من حقّك أن تطرح رأيك في أحداث العالم خصوصاً الدول العربية التي يهمّك شأنها ومستقبل شعوبها وتبني قضاياها»، مضيفاً أنّه «يجب التذكير بأن الصحيفة بسبب نهجها التحريري المستقل، كانت تتعرّض للتحريض الدائم من مؤسسات منافِسة أخرى، خصوصاً في العامين الأخيرين، حيث تتداخل المصالح مع شراسة المنافسة غير البريئة، في ظل سوق صغير يعاني من ضعف الإعلانات وعدد متضخم من الصحف ذات اللون والصوت الواحد، الذي لا يرضيه وجود صوت آخر في الساحة».
الكاتب والصحافي البحريني، المشرف على صفحة «قضايا» في جريدة «الوسط» البحرينية، بدا غير مقتنع بأن المقال عن المغرب هو سبب الإيقاف. يقول: «كنا مع زملاء آخرين كنا نكتب عن القضايا العربية والدولية باستمرار، منذ العدد الأول في 7 أيلول (سبتمبر) 2002، من دون أن يصدر عن الجهات الرسمية أي اعتراض، وفي حالات نادرة تتولى السفارات المعنية الرد علينا ويُنشر في الصفحة نفسها في اليوم التالي. فهكذا تقتضي الأعراف الصحافية في كل دول العالم. أما لو تم اللجوء إلى إيقاف الصحف لمجرد (نشر مقال عن دولة أخرى صديقة)، فلن تبقى هناك صحيفة واحدة في العالم إلا ويطالها الإيقاف. وكما قلت لك، الحجة غير مقنعة على الإطلاق، بل إنه من حيث التوقيت يرى كثيرون أن الإيقاف جاء استباقياً قبل يوم واحد من إعلان الخلاف بين الدول العربية الأربع مع قطر».
يختم حسين تصريحه لصحيفة «الأخبار»، بالقول: «الصحافة جزء من المجتمع، وحين يضيق هامش الحرية، من الطبيعي أن تضيق وتختنق الصحافة. عدنا للمربع الأول الذي كنا نعيشه صحافياً قبل العام 2000. ولذلك يلجأ الجمهور إلى وسائل التواصل الاجتماعي، للتعبير عن رأيه وسماع الآراء المختلفة وتبادل المعلومات والأخبار بطريقة سريعة وبعيداً عن القيود الحكومية المفروضة، وهي ظاهرة عامة في عموم العالم العربي بعد انتكاس حراك الربيع العربي الذي طالب بالتغيير والحرية والكرامة».