حين قال مذيع محطة «بي بي سي» عن وفاة موظف لبناني من الصليب الأحمر في اليمن، وقف قلبي. افتكرت انه صديقي اللبناني الذي يعمل في المنظمة نفسها. واحد من أجمل الناس الذين قابلتهم في صنعاء. وكان يعمل هناك. لكن وما أن مر باقي الخبر حتى ظهر أن الشهيد اللبناني اسمه حنّا لحوّد. (من المفارقات العجيبة، كان استشهاد لحوّد في ليلة حفل المطربة الفلسطينية سناء موسى. وفي «مسرح المدينة» لقيت صديقاً لبنانياً أيضاً ثانياً يعمل في الصليب الأحمر وكان في اليمن مع صديقي السابق ويسكنان في البيت نفسه).

عجيبة ومؤلمة هي هذه المفارقات التي تجاور قصص الموت.
ولمّا هاتفت صديقي الأول لأخبره عن الذي جرى، قال لي: «اليمن صارت خطيرة، كنا نقول له، لكن حنّا لحود كان يُحب الناس العاديين». وأضاف: «كان حنا صديق دراستي. كنا نسمّيه «البوحة»، تيمناً بصوت صباح لأنه صوته كان حلواً».
لكن أيضاً، قد يجوز طرح واحد من الأسئلة القاسية: كيف يُغامر هؤلاء الشباب للعمل في بلد يحيطه الموت من كل جانب! نحن الذين من أهله وسكانه هربنا، البلد الذي صاغ ذكرياتنا وقصص حبنا المسروقة، أتينا إلى بيروت، نجونا بأنفسنا من الموت المُعلن في أي لحظة. هربنا من ذاك البلد الذي صار محكوماً عن طريق عصابات وقتلة، وهذا غير الموت السعودي الذي يُحلّق في سماء اليمن ولا يُفرّق بين بشر أو حجر أو شجر، يقتل فقط. لا يهمه شكل من يقتل، هو يقتل فقط من فوق. والناس على الأرض تنتظر موتها. في أي لحظة.
نحن نجونا، لكن حنّا لحوّد مات.
والموت حق، طبعاً. لكن من العيب أن يأتي في حق شخص مُحب لليمن. ولتلك المدينة التي قُتل فيها. حنّا لحود أتى لليمن ولمدينة تعز (شمال صنعاء) كي يخدم ناسها. لم يكن صاحب مصلحة. جاء كي يُعطي لا كي يأخذ وينهب.
ولمن لا يعرف تعز. هي أكبر مدينة من حيث الكثافة السكانية. وهي عاصمة اليمن الثقافية. أن تجد كتاباً أو ديوان شعر أو بحثاً أكاديمياً، أو أن تذهب لطبيب كي تعالج أسنانك وقلبك أو حاجتك لأي أكل في الطريق، ستجد فرداً من تعز يجيبك. ولم يكذب من قال: تعز هي اليمن. فكيف صارت ما صارت عليه! كيف تحوّلت مرتعاً لعصابات القتل والنهب! كي تحوّلت أرضاً للسفلة!
قبل أكثر من يوم، كتب رجل دين متطرف من تعز على صفحته في فايسبوك يُحرض على المنظمات الإنسانية. لم تكن مصادفة. لقد كان أمراً مُخططاً له.
في بيانها الخاص باستشهاد حنّا لحوّد، قال المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط ، روبير مارديني: «نحن ندين هذا الهجوم الوحشي، والمتعمد كما يبدو، الذي راح ضحيته أحد الموظفين المخلصين في مجال العمل الإنساني». وأضاف: «جميعنا مصدومون من أثر الفاجعة. فزميلنا حنا كان شاباً مفعماً بالحياة، وكان معروفاً ومحبوباً على نطاق واسع. لا شيء يبرر قتله، ونحن في حالة حداد على مقتل هذا الزميل والصديق العزيز. ونحن نقف بقلوبنا ومشاعرنا إلى جانب أحبته وأصدقائه».
وجاء في فقرة تالية من البيان: «رجاء لكل الناس في اليمن الذين يتناقلون صوراً بشعة لجريمة قتل حنّا لحوّد نطلب من الجميع الكفّ عن تناقل هذه الصور صوناً لكرامة الضحية واحتراماً لخصوصية عائلته المكلومة».