انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، في اليومين الماضيين، بخبرين متقاربين من حيث الطبيعة، هما خبر شفاء الفنانة إليسا من سرطان الثدي، وخبر بدء زوجة الرئيس السوري، أسماء الأسد، برحلة العلاج من المرض نفسه.

ما إن نُشر فيديو كليب أغنية إليسا الأخيرة إلكترونياً، حتى أصبحت الفنانة اللبنانية الترند الأول على الـ«سوشل ميديا». انصرف الناس لتهنئتها بالسلامة، وللثناء على شجاعتها في إعلان مرضها، وامتدح البعض دعوتها في نهاية الفيديو كليب النساء إلى إجراء الفحص المبكّر الذي قد ينقذ حياتهنّ.

مرض الغني vs مرض الفقير
لا شكّ في أن الأغنية مع المشاهد الراقصة في الفيديو كليب، احتفاءٌ بالحياة وبنهاية المعاناة لواحدة من ملايين الذين عانوا ويعانون من هذا المرض. ومن الطبيعي أن تتلقى إليسا كل هذا الدعم والتعاطف، لكونها إحدى أكثر الفنانات نجاحاً وشعبيةً في العالم العربي منذ سنوات، وبمعايير السوق الفنية السائدة في المنطقة.
بعد إعلان إليسا، انتشرت أنباء عن إصابة الفنانين عاصي الحلاني، وميريام فارس، بـ«مرضين خطيرين» أيضاً لم يعلنا طبيعتهما، في ما قد يكون صدفةً، أو استراتيجية إعلانية بعد معاينة الشعبية التي حظيت بها خطوة إليسا.
لكن بمعزلٍ عن الآراء السلبية وعن منتقدي فكرة الفيديو كليب، ومقارنة إليسا بملايين المرضى الذين لا نعرفهم (هذه هي مكاسب الشهرة في النهاية)، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لسيدةٍ تعاني من المرض نفسه، تقارن فيه بين «المريض الفقير» و«المريض الغني». المرض هو نفسه في الحالتين، والموت هو نفسه في الحالتين، لكنك حين تكون مشهوراً ومحبوباً وتمتلك أموالاً طائلة، ستصبح رحلة علاجك ومقاومتك وتجربتك اليومية أسهل بمرّات، من تجربة المريض الفقير، خصوصاً في بلدٍ مثل لبنان. في الفيديو، تسأل السيدة التي تُدعى تالين، إليسا، إذا كانت قد توجهت في مرة إلى «الضمان» (مبنى صندوق الضمان الاجتماعي) خلال علاجها، وإذا كانت قد جربت المعاناة مع هذه المؤسسة، في وقتٍ كانت فيه هذه السيدة مجبرةً على البقاء قوية ومتماسكة من أجل طفليها، ومع زوجٍ يعاني بدوره من السرطان. تذكر الجهات الراعية والمنتجة للفيديو كليب، من مرافق ضخمة ككازينو لبنان، إلى محلات المجوهرات، فيما لم تجد هي بالطبع أي «مموّل» لفترة علاجها.

نبل المصيبة
غداة الموجة التي أحدثتها إليسا، أعلنت الرئاسة السورية بدء السيدة الأولى أسماء الأسد، رحلة علاجها بعد اكتشاف ورم خبيث في مراحله الأولى: «بقوة وثقة وإيمان.. السيدة #أسماء_الأسد تبدأ المرحلة الأولية لعلاج ورم خبيث بالثدي اكتشف مبكراً»، بهذه الطريقة أعلنت الصفحة الرسمية للرئاسة السورية الخبر على موقع «فايسبوك». بطبيعة الحال، أحدث هذا النبأ المرفق بصورةٍ للرئيس بشار الأسد ولزوجته في المستشفى، ردود فعلٍ هائلة، مثل معظم الأخبار المرتبطة بالأزمة السورية وبالانقسام حولها. وفيما برزت من الجهة المقابلة بعض الأصوات المتشفّية، غطت تعليقات الدعم والتعاطف من المعسكرين المتخاصمين، حيث انتشرت تعليقات لأشخاص معارضين للدولة السورية، ترفض التشفّي بالمرض وتصف هذا الفعل بـ«الانحطاط الأخلاقي».
في جميع الحالات السابقة، لن تجد أصواتاً كثيرة تشذّ عن حالة الدعم والتعاطف مع الأشخاص الذين يعانون من أمراضٍ خطيرة، خصوصاً إذا كان هؤلاء الأشخاص تحت الضوء ويمثلون «قدوات» للجمهور. في حالة إليسا، كما في حالة أسماء الأسد، تبعث أخبار السيدتين على التعاطف والأمل، إلى جانب أهمية التوعية ولفت الانتباه إلى ضرورة التشخيص المبكر. كذلك، تهيمن في الحالات المشابهة ما نسمّيه «نبل المصيبة» (Noblesse de l'infortune)، وهو ما يوحّد البشر أمام المصائب، ويشعرهم بهشاشة الاختلاف أمام ضخامة ما نسمّيه «قدراً». فأياً يكن رأيك بالشخص، أحببته أو كرهته، قدّرت فنه أو وقفت ضده في السياسة ــ إذا كنت شخصاً سويّاً ــ فلن تفرح لمصابه، خصوصاً أن ما من أحد بمنأىً عن المرض أو المشاكل الخارجة عن إرادة المرء عموماً.

بيع الأمل
لكن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون على هذا المستوى، إذ ما من فائدة في شخصنة مواضيع كهذه لاستخلاص العِبر. الحدثان يسلّطان الضوء على زاوية أخرى، ويشكّلان مدخلاً لنقاشٍ أوسع مرتبط بشكل حياة الأفراد وحاجاتهم في الزمن الحالي.
حفلت السنوات الأخيرة حول العالم بكتب الـSelf-help، التنمية البشرية، وامتلأت مواقع التواصل بالخطابات التحفيزية (Motivational speeches). عمل إليسا الأخير يأتي ليصطف إلى جانب تلك الأعمال، أولاً لناحية المضمون، وثانياً لناحية تحقيق الربح المادّي أيضاً. فلا شكّ في أن فيديو كليب إليسا الأخير، إذا ما جرّدناه من رسالته الإنسانية، حقق انتشاره السريع والكثيف أرباحاً هائلة لصاحبته.
أصبح هناك ما يمكن أن نسمّيه «قطاعاً للأمل». كذلك، كيفما تلتفت على «فايسبوك» أو «تويتر» تجد صفحات وصوراً وأقوالاً تحثّ الناس على الأمل، التصميم، تقوية الإرادة، وتخطّي الصعاب. وبالطبع، تحظى تجارب المشاهير (مع المرض، الفقر والفشل في البدايات...) بتركيزٍ كبير، لكونها تبعث على التفاؤل بإمكانية الشفاء بعد المرض، والغنى بعد العوز، والنجاح بعد الفشل. كثيرون رأوا على سبيل المثال، فيديو للممثلة الأميركي ليزا كودرو (فيبي في سلسلة «فرندز») وهي تحكي عن مرحلة بطالتها وإحساسها بالفشل قبل بدء العمل في السلسلة الأميركية الأشهر عالمياً. كذلك الأمر بالنسبة إلى الممثل الأميركي بيتر دينكلاج الذي ألقى عام 2012 خطاباً حول رحلته نحو النجاح الكبير الذي حققه في سلسلة «غايم أوف ثرونز».
تنتمي هذه الظاهرة التي شهدت ذروتها مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى ثقافة أكبر تنامت في العقدين الأخيرين، وهي ثقافة تجميلية للنظام الاقتصادي والاجتماعي المهيمين على العالم. أصبح الأمل، الطموح، الإرادة، أشبه بمنتجات ضرورية مع توحّش النيوليبرالية وشقاء الإنسان في ظلّها. مثل الأكل الصحّي، والقهوة من غير كافيين، وغيرها من المنتجات التي نصادفها في كل مكان، يصبح ضرورياً الترويج والتسويق لروايات النجاح والشفاء والأمل بغدٍ أفضل.
مع تنامي الضغوط الحياتية على الفرد في العقدين الأخيرين، ووفرة التكنولوجيا والسرعة التي وفّرتها ليومياتنا، أصبح ضرورياً لجوء الفرد إلى بعدٍ آخر، متعالٍ، أخذ بدوره مكانة في السوق الاقتصادية حول العالم. هكذا رأينا إعادة إنتاج أميركية لفلسفات شرق آسيا، وتغريباً لمبادئ البوذية والتاو الصينية، إلى جانب تصاعد هائل في إصدارات كتب المساعدة الذاتية وظهور الـLife coaches وغيرهم.
في سياق متصل، يرى الفيلسوف السلوفيني، سلافوي جيجك، أن انفجار خطاب الـSelf-help في الآونة الأخيرة ليس إلا محاولة يائسة للحصول على «رأسمالية بوجهٍ إنساني». يقول جيجك إنه يحتقر أنواع الكتب التي تقول لنا «كيف يجب أن نعيش، لكي نكون سعداء»، في حين أن المهمة الأولى للفلسفة، على سبيل المثال، «أن تجعلنا نفهم عمق المأزق الذي نحن فيه». في كتابه «شجاعة اليأس» (The courage of hoplessness) ، يقول جيجك «إن الشجاعة الحقيقية تكمن في تقبل أن الضوء الأمامي في آخر النفق هو على الأرجح ضوء المصابيح الأمامية لقطارٍ آخر يقترب نحونا من الجهة المقابلة».