قد يسمح مفهوم الخيال السينمائي لمخرج الفيلم الإسرائيلي «الملاك»، أن يصوّر جمال عبد الناصر في احتفال في سفارة مصرية مع ابنته وزوجها وهم يحتسون الخمر، وبإشارة من عبد الناصر قائلاً «في صحتكم»، على الرغم من أن أشد «شقاوة» عُرفت عن عبد الناصر كانت تدخين السجائر. «صممت من أجله السيجارة المصرية الشهيرة «سوبر كليوباترا» لتكون بديلاً عن أخرى بريطانية لم يكن يليق به أن يواصل تدخينها». احتفى ناصر إذاً ــ في الفيلم لا الحقيقة- بالنبيذ المصري المصنوع من حقول كروم عمرها آلاف السنين، لكن أيمكن التسامح مع ذلك الخيال السينمائي نفسه حين يجعل تلك الحفلة التي يحضرها ناصر، تجري في السفارة المصرية في لندن لا غيرها؟ عاصمة الإنكليز أعداء ناصر التاريخيين الذين حرر الزعيم المصري بلاده من نير استعمارهم؟ يشبه ذلك أن يصور فيلم ما حفلة يحضرها هتلر في تل أبيب. ربما يناسب ذلك خيال مخرج مثل تارنتينو، لكنه ربما لا يناسب فيلم «الملاك» الذي يفتتح مشاهده بعبارة تؤكد أنه مبني على قصة حقيقية، لكن ذلك لم يكن محل الجدل الوحيد. للغرابة، وفي حالة لا تتكرر كثيراً، يبني مخرج «الملاك» أرييل فورمن قصته على الرواية العكسية للكتاب الذي اقتبس قصة الفيلم عنه! حاول يوري بار جوزيف في كتابه «الملاك .. الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل»، على مدار الفصول الثلاثة عشر، أن يدحض رواية إيلي عزرا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إبان حرب 1973، الذي يرى أن أشرف مروان خدع إسرائيل ولعب معها دور «الراعي الكذاب». طبقاً لعزرا، «أمد مروان إسرائيل بالمعلومات المفيدة على مدار السنوات، وحذرها من الهجوم المصري مراراً في تواريخ عدة، لكنه حين حان الهجوم الحقيقي، في 6 أكتوبر 1973، لم يحذرها سوى قبل ساعات قليلة منه، وأعطاها موعداً مختلفاً بعدة ساعات عن الموعد الحقيقي، مما لم يسمح لإسرائيل بالاستعداد وتفادي الخسائر الهائلة التي أحاقت بها في الأيام الأولى من الحرب».

لكن الكتاب يتهم عزرا بأنه متمسك «باتهام» مروان، لتبرئة نفسه من الفشل الاستخباراتي في معرفة توقيت الهجوم المصري السوري المشترك، الذي وضع إسرائيل، «ولو لساعات أو أيام» أمام أول تهديد وجودي في تاريخها.
الغريب أن الفيلم الذي أنتجته «نتفليكس»، يعتمد بالكامل على رواية إيلي عزرا، بل يمنحها صورة درامية في الفيلم. يقرأ أشرف حكايات لابنه جمال ـ لاحظ الاسم ــ كي ينام. إحدى الحكايات هي قصة الراعي الكذاب، الولد الذي يخدع أهل قريته بتحذير كاذب من الذئب، مرة ومرتين، بالطبع، حين جاء الذئب حقاً، لم يصدقه أحد.
ليس سراً أنّ هذا كان ملخص ما أطلق عليه «الخداع الاستراتيجي» في حرب أكتوبر. لقد أعلنت مصر التعبئة العامة مراراً وتكراراً على مدار سنوات. في كل مرة كان ذلك يجبر إسرائيل على استدعاء الاحتياطي ورفع درجة الطوارئ مع ما يسببه ذلك من تكاليف اقتصادية مرتفعة. لم تكن الاستخبارات قادرة على تجاهل التعبئة المصرية «لأنك لن تتحمل أن تحدث الحرب هذه المرة حقاً من دون أن تفعل شيئاً» كما يقول مروان – في الفيلم- لمدير المخابرات الإسرائيلية المتشكك. لكن الكلفة ظلت تزداد على الإسرائيليين، وصاروا متشككين أكثر أن «عميلهم» مروان يخدعهم، «وماذا أفعل؟ كل مرة يغيّر السادات رأيه» يقول «الملاك». ثم تماماً كما في قصة الأطفال، حين وقعت الحرب الحقيقية في السادس من أكتوبر 1973، كانت إسرائيل مرتابة في تحذيرات مروان. «بوتاسيوم، كثير من البوتاسيوم» هكذا كان يصرخ «الملاك» في الهاتف بكلمة السر المتفق عليها إذا عرف باندلاع الحرب.
اقتنع الإسرائيليون في الساعات الأخيرة بصدق «الملاك»، لكن مع «خطأ» أخير. لقد أخبرهم أن الحرب ستنطلق في السادسة مساء مع غروب الشمس، لتكون الرؤية أصعب على الضفة الشرقية. في الواقع، اندلعت الحرب في الثانية ظهراً، كان لتلك الساعات الأربع تأثيرها الفادح، لقد تم خلالها الجزء الأهم من عملية «العبور».

لهجة الممثلين لا تبدو «عربية» سوى للمشاهد الأجنبي


تبرز هنا الضرورات السينمائية مجدداً في الفيلم الإسرائيلي، فهو لا يكتفي بأن ينسب إلى بطله توقع انهيار الاتحاد السوفييتي (وهو توقع لا يعجب ناصر بالطبع)، بل يجعله صاحب فكرة «الخداع الاستراتيجي» الذي نفذته مصر في الحرب. يشرح مروان الفكرة للسادات (الممثل الإسرائيلي ساسون غاباي)، بينما يكتفي الرئيس الداهية بهز رأسه موافقاً على «فكرة مروان»!
بالنسبة إلى المشاهد العربي، ثمة تجربة صوتية سيئة في انتظاره. لهجة الممثلين التي لا تبدو سوى «عربية» للمشاهد الأجنبي، تبدو شيئاً معذباً لآذان المشاهدين العرب عموماً، والمصريين خصوصاً. وباستثناء إتقان اللهجة من الفلسطينية ميساء عبد الهادي في دور منى عبد الناصر، تبدو أصوات المصريين في الفيلم أشبه بشريط معطل. البطل مروان (التونسي الهولندي مروان كنزاري) يتحدث لهجة مصرية مغاربية لو كان شيء كهذا له وجود. سليمان دازي (الفرنسي من أصل جزائري) في دور سامي شرف كان يحتاج خبيراً لفك شفرة كلماته.
غير أن إشكالية اللهجة العربية في الفيلم تبدو ثانوية أمام إشكالية شخصية البطل. ففي حين يتبنى الكتاب رؤية متماسكة في مواجهة أخرى: رؤية «مقامر محب للمغامرة والمال يكره عمّه» في مواجهة رؤية «عميل مزدوج خدع إسرائيل»، يمزج الفيلم بين هذا وذاك. فالشاب الغامض الذي ينفق أموال العائلة –التي يتحكم بها ناصر- على القمار واللهو في لندن، يندفع غاضباً في إحدى مرات توبيخ زوجته له، ليتصل بالإسرائيليين عارضاً خدماته. وحين يستجيب الإسرائيليون بعد حين (وقد توفي ناصر)، ويبتزونه بالتسجيل الصوتي لاتصاله بهم، يتعاون معهم لقاء المال. ثم إذا به يتحول فجأة إلى محارب من أجل السلام، ورجل مقتنع بأن إسرائيل ينبغي أن تعاني «خسارة من دون تدمير كامل» كي تقتنع بالسلام. حين يلقي السادات أخيراً خطابه في الكنيست، يجلس مروان أمام التلفاز وفي عينيه نظرة «أنا من حقق كل هذا». يجعله الفيلم يعاني انفصالاً عن زوجته منى، التي ظنّت أنه يخونها مع الممثلة الإنكليزية ديانا دافيس (لعبت دورها هانا وير)، بينما لم تكن ديانا سوى صديقة تساعد مروان بلعب دور العشيقة للتغطية على أنشطته الجاسوسية. من نافلة القول إن شخصية ديانا خيالية بالكامل لا وجود لها لا في الكتاب ولا في الحقيقة، ومن ثم فإن تضحية مروان باستقرار عائلته ـ في الفيلم- هي تضحية وهمية بدورها.
أياً يكن، فإن القذافي (لعب دوره تساهي هاليفي) هو الأكثر تضرراً من فيلم «الملاك» الذي يظهره كمجنون كامل، يوزع حياته بين النساء والإرهاب والكتاب الأخضر، بينما على غرار الأفلام الأجنبية «الموضوعية» حول الصراع العربي الإسرائيلي، حيث يتم إظهار القادة على الجانبين بصورة من يحبون أوطانهم لكنهم فقط يواجهون مآزق وجودية تدفعهم للحروب وعدم الثقة في الآخرين، لم يختلف فيلم «الملاك» عن تلك «الموضوعية». لكنه أضاف ربما من دون أن يدري تساؤلاً تطرحه أحداثه: إذا كان الجميع يحبّ السلام، فمن قتل مروان؟.