قبل سنوات، أنشأ عدد من الناشطين موقع «دخلك بتعرف؟» وصفحة «خَسّة» للأخبار والمقالات السَّاخرة. الصفحة، وهي جزء من الموقع، تعتمد أسلوباً تحريرياً خاصاً يقوم على فبركة عناوين جذابة وصادمة لأخبار غير متوقعة إلا أنَّها قابلة للتصديق مع بعض الاستغراب، ولكن بمجرّد فتح الرابط والاطلاع على المضمون يتضح سريعاً أنَّه ليس سوى نصّ ساخر تفتقت عنه مخيّلة المحرر ليمرّر نقداً لفكرة معيَّنة عن طريق تضخيمها على طريقة الكاريكاتير، ولا فائدة تُرجى من تشذيبها وتطويعها لتتناسب مع حسابات العقل والمنطق وقابلية التصديق. يصبّ كلّ ذلك في الإطار تضع الصفحة نفسها به عبر نبذة تعريفيَّة مختصرة: «مجتمع صغير للنقد الاجتماعي والديني بهدف كسر المقدَّسات والمحظورات أحياناً والضحك لمجرَّد الضحك أحياناً أخرى».

اللهجة القاسية التي تعتمدها الصفحة في موضوع النقد الديني تحديداً، ونشرها أحياناً معلومات غير مستندة إلى معطيات حقيقية ومصادر موثوقة، رأى فيهما بعض المتابعين «إساءة للأديان لمجرد الإساءة»، بدلاً من «الضحك لمجرد الضحك»، بالإضافة إلى غياب أيّ مضمون نقدي حقيقي بل وأيّ لمعة كوميدية في أحيان كثيرة، فضلاً عن تقديم الصفحة «الليبراليَّة» استنتاجات محرريها وآراءهم الشخصية كمعلومة (مثال: دخلك بتعرف؟ الاشتراكيّون لا يهتمّون للفقراء، هم فقط يكرهون الأغنياء). إلا أنَّ الانتقاد الأبرز الذي طال الصفحة كان مرتبطاً بمنشورات اعتبرها متابعون تتضمَّن ترويجاً للتطبيع بصورة غير مباشرة، من دون أن يبدو القائمون على الصفحة معنيين بنفي هذه التهمة أو اعتبارها تهمة أصلاً.
وبعيداً عن الموقف من الصفحة ومن سياستها التحريريَّة، كان يفترض أن تفقد اللعبة القائمة على المفاجأة والتناقض بين العنوان الصادم والمضمون الساخر بريقها سريعاً بعد اكتشافها من قبل المتابعين، إلا أنّ الخبر المفاجئ والصادم حقاً هو كون مقالب «خَسّة» لا زالت صالحة حتى اليوم للايقاع بأعداد كبيرة من الناشطين الذين يشاركون ــ بجديَّة مطلقة ــ منشوراتها على صفحاتهم الشخصيَّة لتدعيم موقفهم واثبات صحة وجهة نظرهم من أيّ موضوع ديني أو سياسي مطروح للنقاش.
يوم الأربعاء الفائت، نشرت «خَسّة» مقالاً لأحد محرّريها بلال همام بعنوان «دار الافتاء تجتمع للمرة العاشرة لمشاهدة فيديو فستان رانيا يوسف قبل الحكم عليها»، مع صورة تظهر قاعة يحتشد فيها عدد كبير من رجال الدين المسلمين أمام شاشة عملاقة تعرض صورة للفنانة رانيا يوسف مرتدية الفستان الذي أثار أخيراً جدلاً كبيراً في مصر.
وإذا كان العنوان والصورة كفيلان بفضح النفس السّاخر للخبر، إلا أنّ المضمون لا يترك مجالاً للشكّ بذلك، لما يختزنه من هزل ومبالغة، إذ يشير الخبر إلى عقد دار الإفتاء المصرية اجتماعها العاشر لمشاهدة أربعة فيديوات وخمس صور للحظة دوران رانيا يوسف في الدورة الأربعين من «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» التي اختتمت أخيراً، بغية تقديم توصيات شرعيّة للقضاء المصريّ بشأنها! وأنّ رئيس الدار طلب من الحاضرين ترتيب نظراتهم وفق القاعدة الفقهيَّة «واحدة لك وواحدة عليك»، فكان على البعض النظر في المرّة الأولى ومن ثمّ غض البصر في الثانية فالنظر في الثالثة، أو العكس! وأنّ أحد الشيوخ أبدى انزعاجه الشديد من مكان جلوسه البعيد مطالباً باعتماد مبدأ المداورة في المقاعد الأماميَّة بين الجميع مشبّهاً الأمر باستهلال شهر رمضان! وأنّ الدار في طريقها لتثبيت استطلاع فستان رانيا كحدث سنوي!
غرابة الخبر لم تحل دون وقوع إعلاميين معروفين في شركه. إعلاميّة حائرة بين هويّات عدة متناقضة من دون أن تعرف حتى اللحظة إن كانت مغازلة الجماعات الدينية أجدى جماهيرياً من القوميّة أم أنّ العلمانيّة «المزيفة» هي الحل، شاركت رابط الخبر معلقة بامتعاض «يا أمَّة ضحكت من جهلها الأمم». ولو كان للأمم أن تضحك فعلاً فلن تجد أَوْلى من تجاهل بعض الإعلاميين في بلادنا أبسط شروط المهنة وهي الدقة والتأكد من الخبر. محلل سياسي بارز ومدير مركز إعلامي معروف اختار هاشتاغ #لا_تعليق مستدرجاً في الوقت نفسه مئات التعليقات الغاضبة من انشغال رجال الدين بتفاصيل تفاهة مماثلة، وقرابة الألف علامة إعجاب، وعشرات المشاركات «العمياء»، قبل أن يقرّر حذف المنشور بعد لفت نظره إلى طبيعة الخبر، وهو ما يسجّل له طبعاً.
لعلّ «مقلب دار الافتاء» لم يأتِ بخلاصة جديدة تستوجب تناوله دون غيره من محطات تفضح يومياً خفتنا في التعامل مع الخبر، ولكن المفارقة هي تزامنه مع حملة يخوضها ناشطون افتراضيون تحت هاشتاغ #دير_الطرشا_للعبري تدعو إلى مقاطعة الناطق باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي الذي يتمتع بشعبية جارفة «بين ظهرانينا» لإدراكه «أصول اللعبة» جيّداً. أفيخاي لا يدرك أصول اللعبة وقوانينها فحسب، بل لعلّه مطلع على هشاشة خط دفاع الخصم أيضاً!