ما يحصل حالياً في سوريا هو سابقة بكلّ المقاييس. وربما ثورة حقيقية تنطلق شرارتها من «الساحرة المستديرة». فتزامناً مع انطلاق صافرة البداية لنهائيات كأس آسيا في الإمارات العربية المتحدة، كان الفايسبوك السوري قد تلفّح بالأحمر، وتغيّرت الصور الشخصية، لتضاف إليها تصاميم مختلفة بقصد دعم المنتخب، وجميعها بألوان العلم السوري وقمصان الفريق، يزيد عليها شعاره: «منتخب واحد.. أمة واحدة.. سوريا واحدة» أو عبارات أخرى مثل «شجّع نسور قاسيون» أو «yes we can» أو «المستحيل مانو سوري». إلى جانب ذلك، راحت جميع القنوات السورية تبث برامج وفقرات خاصة بدعم المنتخب، إضافة إلى صدور مجموعة كبيرة من الأغاني التي تساند فريق البلاد. في هذا الوقت، وجد بعض المحبطين، الفرصة سانحة لبث جرعات من التشاؤم، ولعب دور الغربان التي تنعق عند كلّ مناسبة كأن لسان حالهم يقول: «مهما كانت الطاقة إيجابية، يمكن تبديدها من خلال ربط ساخر للوضع الخدمي المزري في سوريا، بشعارات المنتخب».

على ضفة مقابلة، تفرّغ عدد كبير من المتابعين لالتقاط أخطاء البطولة وعثراتها، والتي كانت نجمة اليومين الماضيين بدون منازع، أوّلها الخطأ الحاصل مع المحلل السعودي عبد العزيز الدغيثر أثناء ظهوره عبر برنامج «صدى الملاعب» الذي يقدمه المذيع السوري مصطفى الآغا على قناة mbc والاستطراد في الحديث عن تاريخ المنتخب الكويتي، وحظوظه في كأس آسيا، ليتركه المضيف على راحته، قبل أن يخبره ببرود أعصاب بأن الكويت لا تشارك في هذه البطولة. ومن ثم سخر من ضيفه على الهواء مباشرة، رغم شعور الرجل بحرج شديد، وإحساسه بما ارتكبه من خطأ!
طبعاً من المعروف بأن الآغا يتلذذ في السخرية من شريحة «السذج» الذين يختارهم بنفسه، وفي خياره هذا بداية الكارثة الإعلامية، خاصة عندما لا يكون لهم أي باع في الرياضة؟! إذ سبق للآغا أن استضاف مواطنته النجمة سوزان نجم الدين أثناء المونديال الماضي، وتركها تحكي باستفاضة عن سبب انقلابها من تشجيع الأرجنتين لصالح البرازيل، فقالت بأنها «لم تعد تحب ميسي لأسباب إنسانية، وأغرمت بنجم آخر هو كريستيانو رونالدو، ولهذا صارت تشجّع البرازيل»! علماً بأن النجم العالمي برتغالي يلعب لصالح فريق بلاده... هنا اصطاد المذيع ضيفته، وأمعن في السخرية منها! وها هو يعيد الكرّة بالطريقة ذاتها مع المحلل الخليجي، لتشكّل الحادثة ــ رغم السخرية العارمة التي لحقت الضيف ـــ مناسبة لانطلاق حملة على المذيع السوري بسبب سوء اختيار الضيوف، والخروج عن اللياقة الإعلامية بانتظار هفواتهم للنيل منهم كأنهم ألّد الخصوم! ثم زادت الموجة النقدية ضدّه، عندما قرر مذيع mbc لعب دور الناقد في مكان وزمان خاطئين وراح يتساءل عبر حسابه على تويتر عن سبب وجود رئيس الاتحاد السوري لكرة القدّم فادي دبّاس على مقاعد البدلاء إلى جانب المدرّب واللاعبين! هنا كانت أسئلة المتابعين عن سبب التركيز على الصغائر، وترك الجوهر الذي يقتضي مساندة المنتخب الوطني لبلاده، بخاصة أنه تمكّن من تحقيق تآلف سوري أثناء الحرب، عجزت عنه كل طاولات الحوار السياسية! في السياق ذاته، صبّت نيران الغضب الافتراضية على المعلّق الجزائري حفيظ درّاجي الذي راح يشبّه أثناء تعليقه على مباراة سوريا وفلسطين صمود الدفاع الفلسطيني بصمود المقاومة الفلسطينية بوجه العدو الصهيوني، وأعاد تشبيهاته مرات عدّة معتبراً بأن الدفاع في الملعب ضد الفريق السوري، كالصمود الفلسطيني في وجه المحتل الاسرائيلي، مركّزاً عدّة مرات على فكرة المقاومة الفلسطينية التي استمرت لسنوات، وخط الدفاع في الملعب الذي تماسك طيلة المباراة في وجه الهجمات السورية؟!