عام 2015، شرّعت lbci، للمرة الأولى باب المنافسة في السباق الرمضاني عبر مسلسل لبناني صافٍ. دخل «قلبي دق» الذي كتبته كارين رزق الله الحمى الرمضانية. ومذاك، كرّس مبدأ إدخال العنصر اللبناني في الدراما العربية المشتركة على باقي الشاشات المحلية. طيلة تلك المدة، طرحت أعمال رزق الله كثابت في اللعبة الرمضانية، بخاصة بعد انتقال تعاونها إلى mtv. في الأعمال التي عرضت سابقاً («مش أنا»، «ومشيت»، و«لآخر نفس»، و«قلبي دق»)، دأبت الكاتبة والممثلة اللبنانية على طرح قضية رئيسة في كل عمل درامي، تحيط بها مجموعة قضايا متفرقة، يعاني منها المجتمع اللبناني. لكنها لم تنجح في المواءمة في ما بينها، ضمن سياق سردي ممسوك. بل إنّ طرحها دفعةً واحدة أسهم أحياناً في تشتّت المتابع وترهّل العمل. في هذا الموسم الرمضاني، يبدو أن رزق الله أجرت مراجعة جذرية لثغر اعترت أعمالها، وكسرت النمط الواحد المسيطر عليها.

في «انتي مين؟» (اخراج ايلي حبيب ــــ mtv)، انقلاب واضح على الذات، وعلى الصورة النرجسية التي رافقتها طيلة مسلسلاتها السابقة، في تحويل نفسها إلى محور العمل، وبطلته المطلقة. هذه المرة، وسّعت دائرة البطولة لتدخل فيها أسماء لها تاريخها العريق في عالم الدراما والمسرح. احتضن العمل كلا من: جوليا قصار، عايدة صبرا، نقولا دانيال، عمّار شلق، واسعد رشدان.. في هذا المسلسل، تخلّت كارين رزق الله عن استعراض جسدها رغم أن ذلك لم يكن يخدم سياق القصة. ارتدت ثياباً فضفاضة تتسم بغرابة في الألون، غير منسقة، بعضها يعود لقمصان أبيها في المسلسل (أسعد- نقولا دانيال). عرفت الكاتبة جيداً الخلطة الناجحة لإبقاء المشاهد متسمّراً أمام الشاشة في حمّى الأعمال الرمضانية. خلطة تجمع بين الكوميديا الخفيفة غير المبتذلة، وبين الجدية وقساوة القصة. جمعُ هذين النمطين قد لا يكون هيناً، بخاصة في مشهد واحد قد يفرض هذا النوع، لكنّ المسلسل نجح في التوفيق بينهما، كما نجح في كسر جدية القصة ببعض الفكاهة المحببة والموظّفة في مكانها درامياً. كذلك، تخلّت كارين عن ثنائيتها مع الممثل بديع أبو شقرا (أطلّ كضيف شرف في المسلسل)، لصالح ثنائية أخرى جمعتها بعمار شلق، الذي لعب دوراً مركباً لطبيب قلب وصاحب مستشفى، ولرجل غير مستقر عاطفياً، فإذا بنا أمام شخصية تمزج بين القساوة واللين والعاطفة.
مع اقتراب شهر الصوم في الفترة الماضية، بقيت قصة وتفاصيل «إنتي مين؟» طيّ الكتمان. حرصت صاحبة العمل على عدم تسريب أي معلومة تخص القصة، أو حتى أغنية الشارة (كلمات وألحان مروان خوري) التي كشف عنها قبل أيام من بدء المنافسة الرمضانية. أحاطت عملها بالغموض بخلاف باقي الأعمال، وربما أسهم هذا الأمر، في إثارة فضول المشاهد. إنها قصة المقاتلين/ ات في الحرب الأهلية. منظار آخر، قدمته الكاتبة، لهؤلاء بعيداً عن الكليشهات. قصة تبدأ من شخصين (جهاد والبروفسور نسيم) اعتقدا أن والدتيهما هما واحدة (جوليا قصار-عايدة)، وأنها متوفاة، لتبدأ رحلة بحثهما عنها، بعد التأكد من أنها ما زالت على قيد الحياة، وعن أسرار تقف وراء تركها المنزل الأول أي عائلة والد نسيم (أسعد رشدان)، والثاني (نقولا دانيال)، وعيشها مع صديقتها (عايدة صبرا) في منطقة فقيرة جداً، ولجوئهما إلى تصنيع الأكسسوارات وبيعها هناك. «أسعد» أو الأب الذي جسده نقولا دانيال، مثّل صورة المقاتل «البطل» ــ كما لقب وقتها ـــ الذي ما زال أسير تلك الفترة، ولجأ إلى الكحول والتفتيش في حاويات النفايات، هرباً من حاضره ومحيطه. برع دانيال هنا في هذا الدور المركب، الذي يحتاج إلى ممثل محترف، يعرف كيف يتصرف عندما يعود إلى واقعه، وآخر يستسلم تماماً لذكريات الحرب، ويغرق فيها.

يحكي قصة المقاتلين/ ات في الحرب الأهلية من منظار مختلف

أما جوليا قصار التي ظهرت في الحلقة السابعة أي بعد أسبوع من بدء المسلسل، فقد أحاطتها هالة من الغموض. إذ جسّدت امرأة ما زالت تلبس وتتحرك كما لو أنها ما زالت تلك المقاتلة الشابة، وما زالت تستخدم سلاحها أو ذاك الذي أضحى «خردة». من الواضح هنا أن رزق الله، خاضت عميقاً في التركيبة السيكولوجية والاجتماعية للمقاتلين السابقين. وبالتأكيد، أجرت معهم مقابلات لتنقل في حواراتها، ما يفكرون به اليوم بعد مرور كل هذه السنوات. مشاهد عدة، أظهرت مكنونات هؤلاء، الذين يعتبرون أنفسهم اليوم مهمشين قدموا الغالي والنفيس من أرواحهم وتضحياتهم كرمى للبقية، التي همشتهم، ووضعتهم جانباً.
في العمل أيضاً، قضايا أخرى تتفرع عن القصة الأساسية من الفساد الإداري (الرشى)، إلى صراع الأجيال (عمار شلق وابنته)، مروراً بالفقر وارتباط امراة برجل هرم.. لكنها لم تؤثر على مجريات الحبكة، بل أتت منسابة من دون تكلف. يسجل هنا لأنجو ريحان (جارة جهاد) براعتها في الأداء والانتقال بحرفة بين حالتين سيكولوجيتين متناقضتين (الفرح والبكاء) وثنائيتها الناجحة مع رزق الله. في المبنى الذي يجمع عائلة «جهاد» وجارتها «غادة» (أنجو ريحان) وعائلة أخرى لجأت إلى التورط في الفساد كي تحظى بمنزل أكبر، وحياة مرفهة، دخلت الكاتبة في الواقعية الفجّة، عبر حوارات مأخوذة من بيوت الفقراء الذين يرزحون تحت ضائقة اقتصادية خانقة، وتداعيات هذا الأمر على باقي أفراد العائلة. ببساطة، استطاع العمل محاكاة يوميات اللبنانيين، بدون تكلف أو تصنّع، بشخصيات ترتدي وتتحرك كما هي واقعاً، وتتكلم بلغة الشارع بكل فجاجته من دون المبالغة في الماكياج.

* «انتي مين»: 21:30 على mtv