الأجواء الحالية التي يبثها «التيار الوطني الحر»، وتحديداً «قطاع الشباب والرياضة» مدعوماً بقناة otv، تأخذنا تلقائياً الى عام 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري واتهام النظام السوري بتصفيته. أجواء مسمومة ولّدت تحريضاً ممنهجاً، شهدته بيروت في تلك المرحلة، وخلّفت ضحايا سوريين، من خلال الاستقواء عليهم وحتى الإعتداء عليهم جسدياً ومعنوياً. هذه الأيام وتحديداً نهاية الأسبوع الماضي، تتقاطع مع هذه الأجواء، حين أطلق هذا القطاع، حملة بعنوان «اللبناني قبل الكل» في ما وصفه بـ «حملة توعية» ميدانية في بعض المناطق اللبنانية، لتعريف أصحاب العمل والمحال على قانون العمل في بلادهم، ومنع التوظيف لأي أجنبي. حتى إنّ القطاع وضع رقم هاتف في التداول بغية ارسال فيديو أو صورة عن هؤلاء العمال المخالفين تحت شعار: «احم العامل اللبناني وبلّغ عن المخالف» وذيل بعبارة «سوريا آمنة للعودة ولبنان لم يعد يحتمل». تحت هذا المنشور، سأل أحد المغردين، إن كان يستطيع التبليغ عن عائلة سورية، دخلت خلسة الى لبنان، فردت عليه الصفحة بضرورة ارسال فيديو أو صورة لها، في تخطّ واضح لما وضعوه من أطر تقتصر فقط على العمالة الأجنبية.



منذ السبت الماضي إذاً، والمنصات التفاعلية الإلكترونية تحشد لهذا التحرك، بمعية وزير الخارجية جبران باسيل، وباقي نواب وفعاليات التيار. خرجت شعارات مرّ عليها الزمن، أعادتنا بالفعل الى تلك المرحلة الغابرة، في صوغ خطاب تحريضي من شأنه أن يهزّ الإستقرار في لبنان: «ما بدنا شعب بلبنان الا الشعب اللبناني»، عبارة قيلت في سياق حملات «التوعية» لأصحاب العمل اللبنانيين، اضيفت اليها مسوغات التحرك من محاولة إيقاف هجرة اللبنانيين الى الخارج، وخفض مستوى البطالة بسبب المزاحمة الأجنبية. لكن القاصي والداني يعلم أن النزوح السوري أو العمالة غير الشرعية في السوق اللبناني ليسا مسؤولين عنها. من يدقق في خطاب هؤلاء، يعي جيداً خطورة المرحلة حيث تعدّ الأرضية لشد العصب، والتقوقع أكثر في جماعات مذعورة تدعي أنها من عرق نقي وجينات خالصة. تقارير otv رافقت هؤلاء الشباب الى الميدان، وخرجت ببث مباشر مرات عدة، لتواكب هذا «الحراك»، ودخلت مناطق ومحالاً تجارية كي تتأكد أنها لا تخالف القانون وتشغّل عمالاً سوريين. برز التماهي التام مع هذا الخطاب، فيما كان مشهد يدعو للتوقف عندما طأطأ عامل سوري في أحد المطاعم رأسه -ربما خوفاً- عندما توجه اليه أحد هؤلاء ، إذ قال له بنبرة متوترة: «عم يقبضوا ع ظهرك، بلدك عم يدّمر وأنت عم تتشرد». من المفيد التوعية والعمل على تنفيذ القوانين اللبنانية سيما قانون العمل، الذي يجري اليوم إبرازه، لكن المضحك هنا أن التيار وحلفاءه هم جزء أساسي من السلطة، ومن هنا، تبدأ القصة، في تطبيق القوانين بحذافيرها من دون أن يحتاج الى أطقم شبابية تبرز عضلاتها في الشارع، وتصفق لأصحاب العمل الذي يوظفون لبنانياً وتنهر بوجه عمال آخرين أجانب، وتنظم حملات تحريضية مسمومة على الفضاءين الإفتراضي والواقعي. حملات من شأنها فقط أن تهز الإستقرار الداخلي لا أكثر ولا اقل.