لعقود طويلة، ظلَّ الإنتاج التلفزيوني في تونس محكوماً بإكراهات سياسيّة ومجتمعيّة مختلفة، فلم تحِد الأعمال الدراميّة أو الهزلية عن الصورة النمطية السائدة سواء في القضايا المطروحة أو في نماذج الشخصيات الموظّفة أو في طريقة الإخراج الفني. ظلّ السائد – على نُدرتهِ ـ خاضِعاً للسلطة الأبوية البطريركية (احتكار فئة بعينها من مخرجين ومنتجين تلفزيونيين مقابل إقصاء الطاقات الشابة أو تغييبها عمداً، تواتر القضايا المطروحة نفسها، وعدم الخوض في المسكوت عنه، تنميط المرأة في شخصيّة ربّة البيت، الريفيّة الساذجة، الحضريّة الارستقراطيّة، الغاوية، الغدّارة... وإقصاء المرأة المُثقّفة العالمة وبعض النماذج الأنثوية المُغايرة للنموذج المجتمعي المُتعارف عليه ولم يختلف ذلك عن مقابلها الرجل). هذا عكس الإنتاج السينمائي الذي ظلّ بعض أعلامه يحاولون تقديم صورة عن الوجه الآخر للمجتمع التونسي المُغيّبِ قسراً عن شاشات التلفزيون، فبرزت أعمال مختلفة حاولت مقاربة مشاغل المهمّشين والمنبوذين داخل المُجتمع كفيلم «خشخاش» (2006) و«الجايدة» (2017) لسلمى بكّار، و«برق الليل» (1990) لعلي العبيدي، و«صمت القصور» (1994) لمفيدة التلاتلي...

بيْد أنّ الأمر اختلف نسبياً غداة الثورة. إذ واكبت الإنتاجات التلفزيونيّة موجة التغيير التي هبّت على مختلف الفنون، فانفلت عِقال الرقابة والوصاية على المثقفين والمخرجين والمنتجين وبرزت بالتالي قنوات تلفزيونية خاصة فتحت أبوابها للمبدعين الشبّان، ناهيك بانفتاح هذه القنوات على تجارب من محيطها الاجتماعي واستيعابها ومقاربتها مقاربة فنيّة تنم عن نُضج ووعي سوسيو ـ ثقافي في أحيان كثيرة. إذ أولت مسائل كانت من باب المحظورات، حيّزاً من اهتماماتها رغبةً في الخروج عن السائد المستهلك من ناحية، وإنصافاً لمن ظلمهم التاريخ الرسمي وأقصتهم الثقافة الرسمية من ناحية أخرى. هكذا، اتّجهت بوصلة العديد من المنتجين نحو الهامشيين، فمثّلت شخصيّة الفُتوّة/ الباندي والمارق والخارج على القانون الرسمي، مادّةً حكائيّة للمسلسل التلفزيوني «شورّب» الذي عرضته القناة التاسعة لموسمين متتاليين، وشكّلت شخصيّة الجانح/ الجانحة والمُخالف/ــةِ للقانون موضوع اهتمام المخرجِ لسعد الوسلاتي في مسلسله «المايسترو» الذي عرضته القناة الوطنيّة الأولى في الموسم الرمضاني الأخير. وطالعنا المخرج الشاب عبد الحميد بوشناق في مسلسله «نوبة» (قناة «نسمة») بصنف آخر من المهمشين (المزاوديّة، الصانعات، العرابنيّة، الوزّانة...). صنف يتقاطع مع الصنفين السابقين لجهة الاِنتماءِ إلى بيئة اجتماعيّة معدمة وهشّة، واعتباره منبوذاً غير ملتزم بالأعراف الاجتماعية.
في مسلسله «نوبة»، يعود بنا بوشناق إلى بداية التسعينات من القرن الماضي في أحد الأحياء الشعبيّة في العاصمة تونس (حي باب الجديد تحديداً) ليُقدّمَ لنا صورةً مُفصّلة عن الإرهاصات التي سبقتْ ومهّدت لعرض «النوبة» (1991) للثنائي فاضل الجزيري وسمير العقربي. ذاك الحدث الفني الاستثنائي آنذاك الذي جمع أقطاب الأغنية الشعبيّة في سهرة بإخراج مسرحي مستجدٍّ وحديث. عرض اندرج في سياق ما اِدّعاه الرئيس السابق آنذاك بن علي من انفتاح فني وكسر لسياسة الإقصاء التي مورست طوال سنوات، إذ كان مجرّدُ بثّ هذا اللّون من الموسيقى أمراً ممنوعاً في الإذاعة والتلفزة وفي التظاهرات الفنيّة الوطنيّة. هذا ما جعل هذا الضّرب من الغناء محدود الانتشار، مقْتصراً على الأحياء الشعبيّة بين الفئات الاجتماعيّة المُهمّشة. ومن باب الجديد، تتوالى أحداث المُسلسل في حبكة فائقة الإتقان ينقل خلالها المُخرج البروفات التي كانت تضُمّ كبار الأصوات كلطفي بوشناق، وهادي حبوبة، وسمير الوصيف، وغيرهم من عازفي الإيقاع. لاحَ اهتمام المُخرجِ بهذه الفئة الهشّةِ، فلم يبرز مُعدّ العرضِ الموسيقار سمير العقربي إطلاقاً طيلة حلقات المسلسل في حين ظهر مخرج العرض آنئذٍ فاضل الجزيري ظهوراً خاطفاً في حلقتين. كأن بوشناق أراد بهذا أن يعيد الاعتبار لمن أسهم إسهاماً واضحاً في نجاح هذا العرض وغبطته كلمات السلطة الرسميّة حقّه، فهذا العرض ما كان له أن يتم أو يحقّق ما حقّقهُ من نجاح لولا مداومة هؤلاء العازفين والمغنّين والراقصات على التدرّبِ من دون كلل أو ملل، معرّجاً على بعض القضايا الأخرى التي هزّت الشارع التونسي في تلك الفترة من تاريخ تونس المعاصر. فالأحداث تجري بعد أشهر من انتخابات 1989 المزوّرة التي فتحت باب الصراع بين بن علي والإسلاميين على مصراعيه، فكان بديهياً أن يُشير المسلسل في بعض السياقات إلى ملاحقة المعارضين السياسيين، كما تطرّق إلى موجة استهلاك المخدرات التي اجتاحت المجتمع التونسي وأرّقت السلطات الأمنيّة حتّى لا تفقد الحبكة الفنيّة معناها. كان لزاماً على مُخرج العمل أن يختلق قصّة الحبّ العنيفة التي جمعت ماهر وحبيبة، وما ترتّبُ عنها من صراع بينه وبين «برينقا» خطيبها الأول، إضفاء لبعض التشويق على العمل. إنّ الإضافة الحقيقيّة التي قدّمها بوشناق هي اهتمامه بالموضوع الأساس الذي تتمحور حوله الأحداث وهو عالم «المزود» وما يسوده من ظلم وغدر واضطهاد ومعاناة، إلى جانب احتفائه بنماذج من المنبوذين اجتماعياً لاعتبارات عدّة.
وجدي العشّاق (عزيز الجبالي) شخصية في مسلسل «نوبة»، وهو من يُعشّق على النبي، مردّداً الجملة الشهيرة «اللي يعشق النبي يصلي عليه... صلي عالنبي راك تربح...» وهو أحد عناصر مجلس المزود يقطعُ نوب الغناء بالتهليل والصلاة على النبي والتحويت والتخميس لإبعاد العين، ماسكاً بمجمرة البخور لكنه عنصر ثانوي. فهو مهمّش وسط جماعة من المهمّشين وبذلك تتضاعفُ معاناته. وقد أطلعنا المخرج على أوجه أخرى من معاناته الأسريّة، فهو يتيم الأم يعيل شقيقته المعوقة ويتولى الاعتناء بها. تسوقه الأقدار إلى السجن المدني، حيث يتعرف إلى «ماهر» ويكون سبباً في إدخاله عالم الفن الشعبي، بيد أنّهُ لم يستوعبه إجرام عالم المزود، فلفظته الحياة طعاماً للحوت عندما كان يستعدُّ لاجتياز الحدود خلسةً.
ويشكّل «برينقا» (الشاذلي العرفاوي) في «نوبة» أنموذج الباندي. والباندي في الثقافة التونسيّة هو امتداد للصعاليك أو الشطّار في الثقافة العربية القديمة. هو شخص أوتي من قوّة الجسد والشجاعة ما أهّله ليجعل نفسه زعيماً للحي أو الحارة التي يسكنها، يدافع عن المستضعفين ويذود عن الحيّ، يُعلن عصيانه للسلطة الرسميّة ويغدو الحاكم بأمره الذي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية في بعض الحالات. وقد استجابت شخصية برينقا إلى حدٍّ ما لبعض هذه الصفات، فهو إضافة إلى حرفته كتاجر أقمشة، يُعدُّ «باندي» الحي يحيط به زمرته من الصعاليك والمارقين عن القانون وأصحاب السوابق العدليّة وتعجز السلطات الأمنيّة عن ردعه أو اِيقافهِ. هذه القوّة تخفي هشاشة تتجلّى في حبّه الجيّاش لحبيبة، وقد بلغ به الأمر حدّ وشم اسمها على جسده. يجد نفسه في مواجهة مع «غنوش» تاجر المخدّرات وتكون نهاية سطوته على يد ماهر الذي يفتكُّ منه حبيبته عنوة ويوقفُ بطشهُ على متساكني الحي.
كثيراً ما تقدّم القنوات الفضائيّة العربيّة نموذج المرأة المثيرة الفاتنةِ، إذ يتمُّ تأطيرُ الجمال في صورة المرأة البيضاء الشقراء صاحبة العيون الخضراء أو الزرقاء. ويندر أن تقدّم هذه القنوات نموذج المرأة المُشوّهة أو صاحبة الإعاقة. لكن هالة عيّاد نجحت في تقمُّص دور وسيلة في المسلسل، وهي شخصيّة مركّبة تفقدُ عينها اليُمنى نتيجة عشقها لعالم الرقص الشعبي الذي وهبته كل حياتها. تشكّل وسيلة أنموذج الأنوثة المنبوذة المخالفة للأنموذج المعياري للأنوثة، تعيشُ عوراء وتفيد الراقصات (الصانعات) بخبرتها في كل ألوان الرقص الشعبي (بونوّارة، فزّاني مرتاح، التوريق...). فهي بذلك «معلّمة» وهي حرفة لها امتداد مع حرفة «المقيِّنَة» في كُتب التراث العربي الإسلامي ويكون بيتها حاضنة للتدريبات الموسيقيّة للمزادوديّة لَيْلاً. هذه الظروف الحافّة والمحيطة بحياة وسيلة صنعت منها امرأة قويّة مُهابة الجانب، مما جعلها محل احترام الجميع.

الغوص في عالم «المزود» وما يسوده من ظلم وغدر واضطهاد ومعاناة


أخيراً، يطالعنا في «نوبة» عملاق شاشة التسعينات التونسية حسين المحنوش الذي أبهر متابعيه بدور «غنوش». وغنوش هذا اسم حركي لتاجر مخدرات أربك السلطات الأمنية التي عجزت عن القبض عليه بسبب التهديدات المستمرّة التي كان يرسلها لأعوان الأمن. يجد في «ماهر» خير من يثق به ويتّكل عليه ويصل به الأمر إلى حدّ جعله خليفةً لهُ إذا ما لحقهُ أذى. وقد أبدع المحنوش في أداء هذه الشخصيّة المركّبة متعددة الأقطاب، فتقريباً شخصيات المسلسل كافة تربطها بشخصيّة غنوش علاقات صراع أو مساعدة أو خشية أو حبّ، وهو ما يجعل من هذه الشخصيّة الهامشيّة مركز ثقل في المُسلسل بأكمله.
في المحصّلة، نجح عبد الحميد بوشناق عبر «نوبة» في رصد تفاصيل المجتمع التونسي في حقبة التسعينات وما صاحب هذه الفترة من تغييرات مجتمعيّة مهمّة موغلاً في الاحتفاء بأحد ألوان الموسيقى الشعبيّة المنبوذة كالزندالي (أغاني المساجين) ورصد تفاصيل هذا العالم، معيداً إليه الاعتبار بعد طمسه وتغييبه سنوات من السلطة الرسمية باعتباره موسيقى «الزوفرة» والهمجيين والخارجين عن التصنيفات الاجتماعيّة. خطوة إيجابيّة تهدف إلى الكسر مع ثقافة المركز المهيمنة.

*كاتب تونسي