مع انطلاق موجة أفلام «الأبطال الخارقين» في نهاية العقد المنصرم من القرن الفائت، باتت ثقافة «السوبر هيرو» تحتل مكاناً متميزاً لدى استديوات الإنتاج. هذا الأمر بحد ذاته جعل جميع الشركات بما فيها تلك التي لا تمتلك «أبطالاً» خارقين خاصين بها، تبتدع أبطالاً لتنتج لهم مسلسلات. وبحكم أنّ الموضة حالياً هي إنتاج المسلسلات القصيرة وبثّها مباشرة ودفعةً واحدة على الإنترنت على غرار ما تفعله شبكة «نتفليكس» مثلاً؛ قامت شركة «أمازون» (ووزعته عبر شركتها برايم) باستعارة شخصيات «الفتية» من المؤلّفين غارث إينيس وديريك روبيرتسون التي تنتجها شركة «ديناميت كوميكس» لإنتاجها عبر مسلسلٍ من عشر حلقات (مدة الحلقة قرابة الساعة). كانت «أمازون» أمام مغامرة مدهشة هذه المرّة، إذ ليس «الفتية» أبطالاً عاديين، وليست القصة أيضاً عادية، بل ما نحن أمامه يخالف ما تواظب شركتا «مارفل» و«دي سي» عملاقتا الكوميكس، على إثباته خلال سنوات طوال.

«من يحرس الحرس؟» (Quis custodiet ipsos custodes). الجملة الأشهر في الأدب الروماني التي أوردها الشاعر جوفينال في إحدى قصائده، هي محور فكرة «الفتية». إنّنا هنا أمام «رابطة عدل» (justice league) شبيهة بتلك التي يعرفها الجميع من أفلام «دي سي كوميكس». إذ لدينا «هوملاندر» الشبيه بـ «سوبرمان»، والملكة «مايف» الشبيهة بـ «المرأة الخارقة»، و«ايه تراين» الشبيه بـ «البرق»، و«العمق» الشبيه بـ «أكوا مان»، و«نوار» الشبيه بـ «الرجل الوطواط». الفارق الوحيد هنا أن هؤلاء الأبطال يختلفون جذرياً عن نظرائهم من «دي سي». فهم ليسوا أشراراً، لكنهم يمتلكون كل الضعف البشري: ضعيفون أمام المال، الجنس، السلطة، الرغبات، الغرائز. قد يسأل قارئ نهم للكوميكس: بماذا يختلفون عن crime syndicate من «دي سي»؟ وهي القصة التي فيها مثيلون لأبطال «دي سي» الرئيسيين وإنما أشرار في عالمهم. الفارق شديد للغاية. هنا نحن أمام عالم أشبه بالحقيقي، وأبطال يدّعون أنهم أبطال، لا يمارسون الشر «الطفولي» أو «الاستعراضي» أو حتى «الشر المطلق». إنّهم يؤدون دور الخير، ويقومون به أحياناً، لكنهم في الوقت نفسه يرضون غرائزهم: مثلاً يتقاضون المال لأجل قيامهم بعمل «خيّر»، قد يقتلون «أشخاصاً وجدوا هناك بالصدفة». وفوق كل هذا لا يؤثر عليهم الأمر أو على شعورهم أو حتى على ضميرهم. كل ذلك ولكن ليس أمام الناس، إذ تبقى صورتهم لامعة على أنّهم المثال للخير والطيبة والأفعال الخيّرة. أما في نسخة crime syndicate فالمجموعة هي شريرة تمارس الشر وتستلذ بممارسته علانية وبكل وحشية واستعراض.
تبدأ قصة المسلسل مع الشاب «هيوي» (جاك كوايد) الذي يقف مع حبيبته في الشارع، وإذ بالبطل السريع المدعو «ايه تراين» (جيسي أشر) يرتطم بحبيبته، فيمزّقها إرباً وهو يركض بسرعته الفائقة. تموت الحبيبة مع اعتذار «سخيف» من «المتسارع» بأنه «لم يستطع التوقف». بعد أيام، يظهر على باب البطل شخص من شركة تدعى «فويت أميركا» يطلب منه التنازل عن حقّه في رفع الدعوى على البطل، وكذلك في تجاهل الموضوع مقابل مبلغ كبير من المال. يرفض «هيوي» العرض تماماً، وسرعان ما يتعرّف على «بيلي بوتشر» (كارل أوربان) الذي يزوره في مكان عمله ليؤكد له بأنه ليس الوحيد، وبأن من يدّعون بأنهم «أبطال» ليسوا كذلك فعلاً، وبأنّهم يخالفون القانون ويقتلون على هواهم من دون أن يرف لهم جفن. يعرّف «بوتشر» الشاب «هيوي» على مجموعة «الفتية» المكوّنة من «الفرنسي» (تومر كابون) و«حليب الأم» (لاز ألونزو ـ نعم اسمه من الكوميكس هو ذاته في المسلسل mother’s milk). «ميلك» و«بوتشر» و«الفرنسي» يشكلون مجموعة كانت مدعومة من «وكالة الإستخبارات الأميركية» لمكافحة هؤلاء الأبطال والقضاء عليهم. لاحقاً نعرف بأنَّهم كانوا قد «انفرط» عقدهم بعدما قتل أحد «الأبطال» أحفاد مسؤولتهم في الـ CIA؛ وكذلك أنّ «هوملاندر» (أنطوني ستار) قد قتل زوجة «بيلي بوتشر». في الإطار عينه، تبدأ قصة البطلة «ستار لايت» (المشابهة لشخصية ستار غيرل من «دي سي كوميكس») الشابة التي يتم اختيارها كي تصبح من «السبعة» الأبطال الأشهر في العالم والذين يتكونون من: «هوملاندر»، «الملكة مايف»، «إيه تراين»، «العمق»، «نوار»، و«المختفي» (أليكس هاسيل)؛ لأنهم فقدوا عنصرهم السابع. «ستارلايت» البريئة للغاية والتي يأخذها «العمق» (تشايس كروفورد) كي يعرّفها أكثر على المجموعة وعملها، تفاجأ به يحاول اغتصابها منذ اللحظة الأولى لوصولها، لابل يجبرها على ذلك مع تهديدها بالطرد من المجموعة. تفهم «ستارلايت» أنّ كل ما حولها هو «كذب» و«زيف» و«تمثيل» منذ اللحظة الأولى، وأنّ هؤلاء ليسوا أبطالاً أبداً.
تذهب القصة نحو التعقيد حينما ينجح «الفتية» في قتل «المختفي». عندها يصبحون أهدافاً لانتقام «هوملاندر» ورفاقه الذين تدعمهم شركة «فويت أميركا» والتي تديرها «مادلين ستيلويل» الشخصية التي تعتبر أن هؤلاء الأبطال هم «السلاح الأكثر فتكاً في العالم»، وبالتالي عليها أن تقنع وزارة الحرب الأميركية باستثمارهم والتعاون مع شركتها في «حماية العالم». ومن هنا، فإنّها لن تدخر وسعاً في القيام بأي شيء للحفاظ عليهم وعلى سمعتهم.
إذاً نحن أمام قصة مختلفة عن السائد والمعتاد في عالم الكوميكس «الشبابي/ الطفولي» الذي تقدّمه الشركتان الأهم «مارفل» و«دي سي». ولربما هو السخط من قرّاء الكوميكس الأنضج الذي يجعل هذا النوع من الكوميكس رائجاً، إذ تنتج شركتا Valiant comics وImage comics قصصاً من هذا النوع بشكلٍ دائم وتحقق أرباحاً كبيرة، بالتأكيد لا تقارن بأرباح «مارفل» و«دي سي»، لكن على الأقل يمكن القول إنّ جمهورها كبير.
بالعودة إلى «الفتية»، ينجح المسلسل في تقديم قصة الكوميكس مع الحفاظ على عناصرها الرئيسية في مكانها إلى حدٍّ ما مع بعض الاختلافات الضئيلة. وتجدر الإشارة إلى أنّه تم تجديد المسلسل لموسم ثانٍ بعد نجاح الأوّل الذي لم يمض على إطلاقه سوى أيام. في الختام، يأتي مسلسل «الفتية» ناجحاً ومختلفاً، لكن قد يجده البعض ثقيلاً لجهة كثيرة الدماء والقتل فيه. وهو بذلك يبقى أميناً للكوميكس التي جاء منها والتي تزخر بهذين العنصرين. بقي أن نشير إلى أنّ شخصية «هيوي» في المسلسل رُسمت على شكل الممثل الإنكليزي سايمون بيغ؛ الذي لعب بدوره شخصية والد «هيوي» في نسخة المسلسل الحالية.