في صفوف الآلاف أو الملايين من الناس الذين يحتلّون الشوارع اليوم، لماذا لا تقف النساء ليطالبن بحقوق وحياة أفضل؟ في كلامنا عن دور النساء في التظاهرات والحركات الشعبية، تبدأ الأزمة من اللحظة التي يعتبر فيها النظام الذكوري أنّ وجود النساء في الحراك الشعبي إمّا جديد و/ أو محدود ومفصول عن العمل الجدي السياسي الحاصل. في هذا النص القصير، ننطلق من فكرة أن النساء في المظاهرات جزء منها، ضد «تفتيش» (من «فيتيش») الجسد الأنثوي أو الاستخفاف بعمل النساء السياسي. النساء هنا، كنّ ولا يزلن، لكن المشكلة في العين التي لا ترى والعقل الذي لا يريد تحليل ما يرى، أي في التمثيل الإعلامي والاجتماعي لما يجري.

أعادت التحركات في الشارع اللبناني، النساء إلى الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وإلى الأذهان حقاً. وهذا لا يعني بأن النساء غير مرئيّات في لبنان. هن موجودات ومرئيّات بقوة، ككومبارس أو كامرأة وراء رجل عظيم ما، أو كوجه جميل وجسم مُثير. لكن النساء الصارخات، الغاضبات، المقهورات، الكافرات بسلطة الدين ورجاله، مغيّبات مخفيّات إلاّ من خبر هنا أو هناك، وفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أو مقابلة تسألهن لماذا ضُرِبن أو كيف هربن من منازلهن.

(هيثم الموسوي)

السؤال الذي نريد الإجابة عنه في هذا النص ليس إذاً عن وجود النساء في التظاهرات، بل عن كيفية وجودهن من جهة، وعن تحكّم الحركات السياسية والإعلام خاصة بكيفية وجودهن؟.
في بداية الحديث عن التحركات الحاصلة اليوم، من الأساسي أن نتكلّم عن «احتلال المكان» أو «استرجاع المكان» ممّن سرقوه منّا، كشعب وأفراد. واحتلال المكان هذا يأتي بالشكل النظري، أي احتلال الخطاب السياسي واسترجاعه لنكون مرئيات ومرئيين (خاصة كطبقة عاملة وفقراء الشعب) في الواقع السياسي في لبنان، وبالشكل الفعلي أي وجودنا في المكان نفسه. تظاهرنا في القرى والبلدات التي لم تشهد تحركات سياسية منذ ما قبل الحرب الأهلية. تنقّلنا في وسط المدينة المسلوب، واحتللنا ساحات ومبانيَ وشوارع كنّا ممنوعات وممنوعين منها، مرميّين في أطراف الوطن وعلى هامش المدينة.
من أهمّ ما تفعله النساء في هذه التحركات، هو فرض أدوار واحتلال مساحات لا يحتللنها عادة في المجال الكلاسيكي للسياسة. إن أقصى قولبة للعمل السياسي للنساء تحصل داخل منظومة الانتخابات والتمثيل الرسمي لهنّ، من خلال التمحيص في حياتهن الشخصية وعلاقاتهن، و«تاريخهن» و«صيتهن» أي «شرفهن»، كما شكلهنّ وبالتحديد حجمهن و«جمالهن» وكمية مواد التجميل التي يستعملن وكمية الغطاء الموجود على أجسامهن أو غيابه. يحصل ذلك أيضاً بالنسبة إلى لهجتهنّ و«أدبهن» أو غيابه والمستوى التعليمي العالي الذي وصلن إليه، وكلّها مواصفات لا يُسأل الرجال عنها في مجال عملهم السياسي.
في العمل السياسي للنساء خلال التحركات الشعبية، تخرق النساء سلطة هذه «المقوّمات»، منذ لحظة هتافهن في الشارع حتى لحظة سبابهن في العلن أو توسيخهن لثيابهن ووجوههنّ وأيديهنّ. هذا في الشكل، أمّا في المضمون، فهن يخرقن هذه السلطة في نوع الأعمال التي يقمن بها، من تنظيم التظاهرات أو النقاشات السياسية التي يشاركن فيها أو الأعمال التخريبية/ الإبداعية التي ينظّمنها.
وهنا بالذات، تبدأ النساء بالظهور، في قيادة التحركات في الشارع أو قيادة الهتافات، أو التنظيم أو في توثيق التحركات وتغطيتها إعلامياً. لكن النظرة الذكورية لا ترى كل ذلك، وتحاول تهميش ما يفعلنه من خلال كل هذه الأدوار، فيتمّ التركيز على الصور والفيديوهات التي تظهر فيها النساء بشكل «جميل» أو مغرٍ، ليُقال: «انظروا ها هنّ النساء يشاركن! ما أجملهن!» بمعنى أنه يفرض على النساء الاكتفاء بدور محدّد مشابه لسردية أن النساء شاركن ويشاركن في المقاومة عبر الطبخ وإنجاب مقاومين. هنا، يفرض عليهن الاكتفاء بعرض مفاتنهن (حرّات هنّ النساء بعرض مفاتنهن، ولكن لا حقّ للإعلام بأن يحدّ وجودهنّ بذلك ويستغلّه). كأن الإعلام يقول في سرّه: لا نستطيع التخلّص من وجود النساء في الحراك الشعبي، لنستغلّه إذاً. وقد يكون ذلك عبر تشييء أو الاستهزاء بهن. ولا يخفى على أحد منّا كيف تمّ التركيز في الإعلام العربي على النساء اللبنانيات و«جمالهن» و«مفاتنهن»، للتدليل على عدم جدية الحراك. كما لا ننسى عمل هذا الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي الدؤوب على إهانة النساء العربيات عامة عبر مقارنتهنّ بالنساء في لبنان. مقارنة لم يطلبها أحد ولا تعبأ بها لا النساء في العالم العربي عامة ولا في لبنان. فكل حراك للتحرّر والتغيير هو حراك أوّلاً ضد نظام متخلف يسأل عن كمية الثياب على جسم النساء ويضع نفسه وصياً عليهن.
يتلصّص المصوّرون على أردافنا، ويُفتح الهواء لمتعة المشاهد


في المقابل، يحاول الإعلام والحركات السياسية قولبة النساء بشعارات إن لم تكن ذكورية، فهي غاية في الضحالة والملل. فمن «ثُوري» و«الثورة أنثى/ امرأة»، يتوجّه هذا الخطاب بالأمر للنساء مرّة أخرى أو بلصق أعضاء تناسلية على الثورة. والسؤال الذي يأتي إلى ذهني عند قولهم بأن «الثورة أنثى/ امرأة»، هل هم يعنون بأنها أمّ لبنانية لا حق لها بإعطاء جنسيتها لأولادها، أم عاملة مهاجرة تعمل تحت نظام الكفالة، أم لاجئة فلسطينية أو سورية في بلد يقول لها بأن لا حقوق لها هنا، أم فلّاحة يقول لها قانون العمل اللبناني بأنه لن يصرف عليها قرشاً عندما تمرض أو تشيخ، أم امرأة مضروبة من ذكور عائلتها أو مطلّقة مرمية في الشارع محرومة من أولادها بفضل رجال دين زوجها القبضايات؟ إن كانت الثورة امرأة، فهكذا كان شكلها ليكون في لبنان.
في هذه الشعارات والأنماط التي يريدون وضع النساء فيها عند كل حراك سياسي، يغلق النظام عينيه عن كل ما تفعله النساء في الحركات الشعبية، ويريد لهنّ أن يكون دورهن محدوداً إن لم يكن في الواقع، فعبر تمثيل الواقع ونقله، أي من خلال الكلام عنهن بشكل يعيد إنتاج الواقع كما يريد هو. بينما نكون في الشارع محاربات للنظام السياسي وهيمنة رأس المال، مقهورات على حيوات لم تبدأ بعد، يتلصّص المصوّرون على أردافنا وصدورنا وشعورنا، ويفتح الإعلام الهواء لمتعة المشاهد: «انظروا، نساء في الشارع... أطلقوا الحيوان البري داخلكم، ها قد جاءت النساء».