وفي ليلة السابع والعشرين من بدء الحراك الشعبي، الذي عاد ونظّم صفوفه في الأيام الأخيرة أمام قصور العدل والمقار الرسمية وغير الرسمية، للتصويب على مكامن الفساد، عاد مشهد قطع الطرق من جديد. هذه المرة، لم تعد الوجوه مختبئة خلف بعض المجموعات التي قطعت الطريق سابقاً، بل دخل الأطراف السياسيون بقوة وعلانية، على رأسهم «القوات» و«الاشتراكي»، مدعومين بوجوه أخرى معروفة كجمانة حداد وبولا يعقوبيان، وتورّطوا أكثر في عملية التحريض من جهة، وتوكيل أنفسهم كجزء من الحراك الشعبي من جهة أخرى.

أول من أمس، وحتى قبل انتهاء مقابلة الرئيس ميشال عون، التي أذيعت على كل الشاشات المحلية، بدأت صور أخرى تشي بحركة فورية لقطع الطرق في الأماكن التي باتت معروفة كـ«الرينغ»، و«خلدة» و«جل الديب» و«الزوق» و«البحصاص»... ودخلت اليها مسالك بيروتية أخرى أشهرها على الطريق الفاصل بين «الكولا» و«المدينة الرياضية» الذي شهد فجر أمس مشهداً مخزياً نقلته «الجديد» لكونها الأقرب جغرافياً، وعادت lbci لتنقله عن شاشة «الجديد».


مجموعة تسريبات لما قاله عون في المقابلة، إضافة الى تعمّد بعض الإعلام، على رأسه mtv، تحريف كلامه ضمن الأخبار العاجلة على الهواتف، خاصة في العبارة التي سيقت على لسانه: «الي مش عاجبوا يهاجر» وهي لا تمت إلى الواقع بصلة.... عبارة حملها المحتجون أو بعضهم ممن تسنىّ لهم متابعة المقابلة، وآخرون أظهرت استصراحات عديدة منهم أنهم كانوا غائبين تماماً عن سبب نزولهم الى الشارع، كما حصل مع استصراحات lbci. نشرت جمانة حداد بعيد وقت قليل من انتهاء المقابلة صورة من «الرينغ» مرفقة بعبارة: «الرينغ مسكر يا حلو، لتتعلموا تستغبوا الشعب اللبناني. فيقوا بقى». أخبرتنا فيها أن «الرينغ» مقفل، وبعدها راحت زميلتها يعقوبيان تشنّ حملة تحريض واضحة ضد رئيس الجمهورية، وتعتبر كلامه (عبّرت عنه بالإنكليزية طبعاً) «بأنها ليست كلمات رئيس، بل إهانة للديمقراطية مع عبارة مذيّلة في الأسفل Shame». بعدها، انطلقت على السوشال ميديا دعوة الى التظاهر أمام القصر الجمهوري، عنوانها إسقاط الرئيس.
منذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة لهؤلاء المحتجين، مدعومين طبعاً بوسائل إعلام معروفة، للتصويب على عون، في منعطف مختلف أزاح معه الأسباب الرئيسية التي دفعت الناس الى النزول الى الشارع والمتعلقة بمطالب المعيشة والعيش بكرامة ومحاسبة الفاسدين. فجأة اختفت هذه الشعارات، وربما ناسها، ونزل الى الشارع هؤلاء وقطعوا الطريق. وكانت حادثة مقتل علاء أبو فخر إحدى الشرارات التي أجّجت الشارع في «خلدة» وباقي المناطق، نتيجة إشكال حصل بين الضحية ومرافق عقيد في الجيش اللبناني مقرّب من «الاشتراكي». سريعاً انتشر الفيديو الذي وثّق سقوط أبو فخر على المنصات التفاعلية، خاصة أنه سقط الى جانب زوجته وأولاده الصغار، ولم يصر الى احترام حرمة الموت والدماء الجارية على الطريق. بل إنّ بعض القنوات ــ من ضمنها «الجديد» ـــ اقتحمت هذه المساحة، وراحت تنقل من تلك البقعة الأشد سخونة على الإطلاق، استصراحات الموجودين، الذين كانوا في حالة غضب عارم، فقاطعوا مراسل المحطة حسان الرفاعي مراراً، محاولين أن ينصّوا ما يجب أن يدلي به على الهواء في سرد الحادثة.
دماء الضحية أبو فخر التي جرت على الإسفلت، سرعان ما دخل الى مشهديتها النائب وليد جنبلاط، الذي انتشر شريط له الى جانب نجله تيمور، حيث يسمح له بالعبور، لا بل يتسابق «الثوار» إلى أخذ صورة «سلفي» معه، بعدما كان شعارهم «كلن يعني كلن». عبر جنبلاط على دماء أبو فخر، نحو «مستشفى كمال جنبلاط» حيث لفظ أبو فخر أنفاسه الأخيرة، ووقف زعيم «الاشتراكي» متوسطاً الجمهور المحتشد في الخارج، معلناً أسفه لأنه لم يلتحق بالحراك منذ البداية، ورافعاً شعار «الدولة» كسبيل للاستحصال على الحق. بدأت بعدها حفلات التعزية التي نقلتها mtv على وجه التحديد من شخصيات سياسية كستريدا جعجع وزوجها، وجنبلاط، وبقية المندرجين ضمن أحزاب السلطة الذين استثمروا سريعاً في الدماء، للصعود الى المشهد بعدما كانوا في خلفيته.
وبعد صعود شعار «إسقاط الرئيس» أو هاشتاغ «#ارحل_ميشال_عون» على تويتر صبيحة اليوم الثاني، أي أمس، تسرّب خطاب آخر أشد خطورة، آتياً من غوغاء الشارع وعمل على تفعيله إعلامياً، ألا وهو التحريض على الجيش اللبناني. لعلّ مشهد فجر الأربعاء كان الأبلغ، عندما تفرّدت «الجديد» بنقل إقفال الطرق على «الكولا» كونها الأقرب جغرافياً، عبر تجمهر مجموعة من الشبان الغاضبين هناك، وبدء رشقهم الجيش بالحجارة وعبوات المياه، وشتمهم لعناصره.
تفرّدت «الجديد» بنقل إقفال الطرق على «الكولا» وتجمهر شبان غاضبين هناك ورشقهم الجيش بالحجارة

طبعاً، الجيش لم يتحرك إزاء كل هذا المشهد، وليس لديه أي صلاحية بالتحرك في الأصل، فعاد أدراجه وتفرّق بين الأزقة، تاركاً هؤلاء أمام عدسة الكاميرات، من دون أن تصدر أي إدانة من قبل مراسلة المحطة حليمة طبيعة، التي وصفت هؤلاء بالغاضبين الذين أردوا إيصال رسائل احتجاج من خلال دقّهم على «درابزين» جسر «الكولا». وفي اليوم الثاني أيضاً، أي صبيحة نهار الأربعاء، كنا أمام مشهد مماثل في «جل الديب»، من خلال التشاجر مع الجيش وإهانته على الهواء، وظهر الخطاب أكثر على mtv، التي كانت حريصة على ربط ما حصل بأبو فخر وقاتله من الجيش وتعميمه على سلوك المؤسسة العسكرية، تجاه الناس، في منحى خطير تدخله هذه القنوات في بث التحريض والتأليب على الجيش.
إذاً، اختلف المشهد في اليومين الأخيرين، لنضحي أمام صورة واضحة تستهدف رئاسة الجمهورية، وتحملها المسؤولية المباشرة عمّا آلت اليه الأمور في الشارع، ضمن حملة منظمة ميدانياً وإعلامياً، وما وضع «الجديد» تحديداً ثقلها في التظاهرة التي حصلت في «بعبدا» إلا دليل واضح على المضي في هذا المسار، وسط خروج المراسل عن أداء دوره وتحوله الى آلة حماسية تحشيدية تتفوق حتى على الصورة الواقعية، وما سؤال mtv «هل ما زال الرئيس قوياً؟» سوى دليل آخر على إقحام خطاب مستجد على الجسم الإعلامي، يضاف اليه طبعاً بعض الوجوه الراكبة للموجة الثورية والمستثمرة في غضب الناس ودمائهم، لتصفية حساباتها الشخصية والسياسية. هذا إذا ما حسبنا محاولة كسر هيبة الجيش وصورته والتحريض عليه، لإفراغ المؤسسة العسكرية من قيمتها. كل هذه المشهدية، تنذر بالفعل بأننا دخلنا أمس في أتون، سادته الحرائق المشتعلة من الإطارات المطاطية والمتنقلة بين المناطق على الشاشات، مع دخول الإعلام هذه المرة اللعبة التحريضية والفتنوية، مهما كلف الثمن!



لا تغطية لحراك السفارة الفرنسية

(مروان بوحيدر)

عند السادسة من مساء الثلاثاء، احتشد المحتجون أمام «السفارة الفرنسية» رفضاً للتدخل الأجنبي المتمثّل بوجود مدير «دائرة ​الشرق الأوسط»​ في ​الخارجية الفرنسية​ كريستوف فارنو، في بيروت، وللمطالبة بإطلاق سراح المناضل جورج ابراهيم عبد الله المعتقل في السجون الفرنسية منذ أكثر من 35 عاماً. دعوة على أهميتها في الوعي الوطني وخطاباتها، لم تلقَ التغطية الإعلامية المطلوبة فتم التعتيم عليها، خاصة من قِبل «الجديد» التي غيّبت التظاهرة الاحتجاجية بشكل كامل، فيما التحقت lbci متأخرة في نقل البيان الختامي للمحتجّين بعد ساعة من الاعتصام، مع تغطية جزئية لـmtv، مقابل مساحة لافتة من otv. تغييب تغطية حراك السفارة الفرنسية، الذي ينبع من رغبة عدد من المجموعات الشبابية (أغلبها من اليسار) في قطع الطريق أمام أيّ تدخّل أجنبي، لا سيما الفرنسي الذي حُكي عن دور فاعل له ومحاولته استمالة بعض مجموعات مشاركة في الحراك وإبرازها حكومياً، عُتّم عليه عن عمد، في محاولة واضحة للتعمية ولإلهاء الرأي العام بحفلات الاستصراحات العشوائية التي سادت الشاشات في الأسبوع الأول من الحراك، والتي إن «قرّشت» لا تقدّم ولا تؤخّر شيئاً في صناعة الوعي الوطني، بل تشكّل فقط مصدر تنفيس لأوجاع الشارع.