بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على «همروجة الشارع» التي حوّلها الإعلام اللبناني بنفسه إلى هذه التسمية، عندما عجز عن خلق نقاش موازٍ لحركة الشارع الاعتراضية، لجأ إلى استديواته وفتح ملفات قضائية تخصّ قضايا فساد في أغلب المؤسسات الحكومية وما يدور في فلكها. «يوميات ثورة» فترة مسائية يومية على «الجديد» بدأت مع استضافة مراسلين من المحطة، ليعيدوا فتح ملفات سبق لهم أن خصّصوا لها مساحات وافرة على الشاشة. ثم تحول البرنامج بعدها إلى مروحة متنوعة، بعضها دخل في خانة الترفيه. وفي الأسبوع الثاني، بعد إثارة البرنامج المذكور ضجّة على وسائل التواصل بخاصة في ملف «الجمارك»، انتقلت العدوى إلى lbci، لكن بجرعات أقل. إذ خصّصت الأخيرة حلقات عن القضاء وإمكانية تحريره من السياسة، وأخرى أضاءت على الفساد في بعض الملفات المطروحة. إزاء هذا المشهد المستجدّ على الساحة التلفزيونية، بقيت mtv، نائيةً بنفسها عن هذه الأجواء، تكتفي برفع شعار «لبنان ينتفض»، مع استغلال مساحاتها الإعلامية لاستضافة شخصيات سياسية تميل إلى هواها. بقيت الشعارات ومعاداة السلطة خطابات حاضرة في أدبيات المحطة، ما خلا دخولها عالم فتح ملفات الفساد. حتى إن برنامجها الشهير «بدا ثورة» الذي تقدمه أمينة عام حزب «سبعة» غادة عيد، غُيِّب تماماً عن المشهد. البرنامج الذي انطلقت فيه قناة «المرّ» العام الماضي، مرفقاً بحملة دعائية غير مسبوقة، وُضع في الأدراج لمصلحة مساحة أخرى استعراضية تستخدم العاطفة أو حتى الاستعراض لشدّ الانتباه. مع تعسّر انطلاقة برنامج «بالوكالة» لجو معلوف على المحطة عينها، والذي كان معنياً بفتح ملفات الفساد في الدرجة الأولى، ها هو معلوف ـ عبر إطلالته الثانية في الأسبوع الثاني ـ يتحول إلى ما يشبه النسخة الرديئة لبرنامج «للنشر» في شقه الاجتماعي، مع تحميل البرنامج «دوزاً» عالياً من الشحن العاطفي، سيما في الشقّ المتعلق بالضحايا الذي سقطوا خلال الحَراك الشعبي كحسين العطار الشاب الذي استُشهد على «طريق المطار» في بداية التظاهرات.


استضاف معلوف عائلة العطار النواتية الأسبوع الماضي، وأفرد تقارير ركّزت على المنحى العاطفي المرفَق بمؤثّرات صوتية. وهكذا فعل أول من أمس، مع شقيق المغدور علاء أبو فخر، إذ بثّ فيديوات خاصة به مع عائلته، وأخرى صوّرت بُعيد وفاته في منزله، مع زوجته وهي تنتحبه وتبكيه أمام الكاميرا. أسلوب اعترض عليه شقيق المغدور في الاستديو وأسمى ما حصل بـ «الكاميرا الغدّارة» أي تلك التي تقتنص اللحظات الخاصة، سواء أكان في التشييع أم في البكاء على الفقيد، وعرضها على الهواء.

مضمون يلعب على الوتر الاستعراضي ويستهدف رئيس الجمهورية

ويبدو أن الأمر لم يقف هنا، بل تقمّص معلوف دور «المواطن» كما قال، وخصّص ثلاث دقائق من وقت البرنامج (لبنان ينتفض)، ليتوجه إلى رئيس الجمهورية. مضمون لا يمكن وضعه إلا في خانة التحامل والانتقاص من شخص عون قبل منصبه الرئاسي، إذ اعتبر معلوف أن عون يستخدم «لغة الاستضعاف» و«التسلّط»، وصوّره على أنه رجل تُقفَل عليه الأبواب ويُمنَع من مشاهدة التلفزيون! تخطّى الإعلامي اللبناني حدود اللياقات في المخاطبة وجافى الواقع، بعد اتهامه رئيس الجمهورية بأنه «دقّ بمعاشات الجيش»، وشكّل «الواجهة التي يختبئ خلفها أصحاب المصالح». وأنهى كلامه الموجّه الى عون بالقول: «نراهن تعمل الخيار الصح، أنت مهم، الناس أهم». فيديو حصد آلاف المشاهدات بعدما نشرته المحطة على منصّاتها التفاعلية، لنكون أمام مضمون يلعب على الوتر العاطفي والاستعراضي، لكن هذه المرة من بوّابة رئاسة الجمهورية، إذ صوّر الرئيس ضعيفاً يُملى عليه ما يجب فعله وقوله. وبذلك، تكون المحطة قد سارت بنهج شعبوي استعراضي لا يخدم المشهد الاعتراضي في الشارع، بل يخدمها هي ويجذب الأنظار إليها!