من قال إن الإعلام لا يحتاج إلى ثورة أيضاً؟ ثورةٌ من نوعٍ آخر. ثورة على منابر التضليل، وأدوات السلطات. ليس كل من خارج هذه المنظومة يُدرك دهاليزها، الذكيّة تارة، والحادة طوراً، التي تقدّم ما تراه مناسباً، وحصراً ذلك. هل هذا ما يطلبه المشاهدون؟ كما يكون الأخير، للأسف، يولّى عليه. الإعلام سيف مسنون مسلّط على الشعوب، لناحيتها فقط، يرهبها «بلطف» صباحاً ومساءً، لكن الاقتراب منه خطر محتوم. الإعلام ليس سلطة رابعة فحسب. إنه السلطة الأولى. من قال أن مجرى الثورة كان سيكون على ما هو عليه اليوم، لولا هذه السلطة؟ لا نبالغ حين نقول الأولى، متربعة على رأس السلطات. يكثر النقاش هنا عن حقيقة أن الإعلام هو مصدر السلطات؟ إن كان الإعلام نفسه هو ما يؤسس للرأي العام، وإن كان الشعب هو من يختار نوابه، فنحن أمام مصدر سلطات جديد. فرضية لا يشوبها لبس. ماذا يعني أن تقوم قناة، على سبيل المثال لا الحصر، بتبييض صورة من تسلّق الحراك؟ وتكشف في الآن عينه فساد وزير اجتمع على «غداء عمل» لمصلحة ما مع إدارة القناة. كيف تفسّر التناقض للمتلقين؟ لا يوجد سوى تفسير واحد. لا يسير به أحد. فنحن أمام غياب تام للمحاسبة أو حتى للتوضيح.

يعود الجدل العقيم الذي يُطرح من فترة إلى أخرى حول قناة «الجديد»، ليكرّر نفسه في كل مرة، بعد كل حدث يمسّ بأسياج بيئة المقاومة «المقدسة». تنهال الاتهامات من الطرفين. أيهما على حق؟ وأيهما لديه السلاح الأقوى للمحاربة والتضليل. اتهمت قناة «الجديد» في مقدمتها الإخبارية مساء أمس «مجموعات من حزب الله بغطاء غير رسمي تدير أمر عمليات ضد الاعلام». وصفتهم بالجيوش «من البراغيت التي تحتمي بصورة السيد حسن نصرالله لادّعاء الحصانة». حملّت حزب الله المسؤولية، لمجرد أنه «صمت عن الإدانة أو عن تسطير بيان».. هنا نسأل، من باب المهنية المطلقة، والقناة الأجدر بمعرفة دقة اعتماد الإثباتات، التي غنّت في المحكمة الدولية لقضية أرقام الهواتف، عن مهنية اتهام مباشر كهذا، لمجرّد وجود أرقام حملت صورة السيّد نصرالله على الواتساب. كذلك الأمر بالنسبة لمن يهتف في الساحات أو على الطرقات، أو من يحمل علم حزب أياً كان. هل هذه أدلة كافية لإثبات إدعاء قناة على انتساب حزبي؟ أم هل هؤلاء الأفراد، الذين إن سلمنا جدلاً لديهم الولاء التام لحزب ما، أخذوا الإيعاز منه للقيام بما يقومون به؟ هل يمكن لأي حزب في العالم أن يسيطر على مناصريه أو محبيه بشكل كامل؟ هذه أسئلة مشروعة. لا تبرّر أي إعتداء على أحد، مهما كانت الخصومة معه، على قاعدة لطالما قلناها: التعرّض بالشخصي هو نتيجة ضعف. ضعف في الُحجّة وفي المواجهة ليس إلا. تقول إحدى المذيعات أمس في «يوميات ثورة»، «واضح من هم هؤلاء من هتافاتهم». من يؤكد ومن ينفي الإتهام؟ ببساطة لا أحد، سوى ما تقدّمه هذه القناة للرأي العام، لأن سلاحها أقوى، ومنبرها أعلى.
الأهم من ذلك كله، كيف تضمن لأي حزب السيطرة على غضب مناصريه، سيما وأنهم ذاقوا على مرّ سنين قساوة التلوين الذي تسوقه قناة عليهم، الذين رأوا في قناة «الجديد» هتكاً ممنهجاً لأعراض الناس والتعرّض لهم سرّاً وعلانية، وفتح بعض مراسليها المنبر للشتائم. ليس ذلك فحسب، بل تبريره بأنه حق نتيجة غضب ووجع الناس. هناك من أوجعته القناة أيضاً. هذا ليس تبريراً، إما على قاعدة المثل بالمثل والبادئ أظلم. فتحت القناة منبرها ثلاثين يوماً «لآراء الناس» في الساحات، ورفضته عند أول مفترق طريق. هنالك مراسلة رفضت هتافات ضدّ أحد أعمدة السلطة الفاسدة أثناء النقل المباشر، كأن لديها الحق في إظهار قناعتها أثناء التغطية. ومن قال، أن الاتهام الذي وجّهه البعض للقناة بالقيام بهذه التمثيلية، كمسرحية جديدة لرفع نسبة المشاهدات لديها، ليس هو الفرضية الصحيحة؟ بالطبع لا نفي هنا ولا تأكيد، لكن الشيء بالشيء يُقاس. ثم إن حزب الله، بحسب إيديولوجيته، يعتقد وبشدّة بحرمة هذا الأمر «دينياً» قبل أن يكون أخلاقياً. من يعطي الحق إذن بالاتهام الرسمي؟ وكيف ستفهم هذه القناة بلغة البيانات، التي كانت قبل يوم واحد، على موعد مع مديح لنجل نصرالله، لتغريدة كتبها رافضاً فيها التعرّض للمراسلين تحت أي ظرف كان، لأنه تصرف لا يشبه حزب الله. ماذا حصل فجأة؟ صحيح أن ما كتبه ويكتبه يمثل رأيه الشخصي وليس الحزبي، باعتباره مواطناً كسائر المواطنين، لكن هذه العينة هي الغالبية القصوى في بيئة المقاومة، كما أن خلوّ أي بيئة من الشاذين هو أمر مستحيل وغير منطقي.
في المقابل، ماذا لو كانت المقدمة أمس بلا رد؟ ماذا لو تجاهل المشاهدون من بيئة المقاومة تلك المقدمة؟ ماذا يضر النزيه أصلاً؟ على الأقل لم تكن كسبت تلك الضجة في الأيام التي نحن أحوج إليها للتصويب الحقيقي على التضليل الإعلامي، الذي يشكل، كما السلطات الثلاث، سلطة ينخرها الفساد، بدلاً من الوقوف على مقدمة تصبح تفصيلاً لاحقاً في حال نال الإعلام حصتّه من الثورة والقضاء. قد يكون الحل بالتجاهل، وهذا ما اعتاده حزب الله في قضايا كثيرة. هل هو ملزم فعلاً في التبرير وإصدار البيانات عند كل موقف؟ إن كان كذلك، فسيستغرق مسيرته بتسطير البيانات على مدار الساعة. سرعان ما أطلقت القناة أمس هاشتاغ مرافقاً للحدث، يتزامن مع تغريدات تضامنية، لتصبح هذه البيئة ــ التي قبلت التهمة نتيجة ردّها ـــ في معركة خاسرة ليست لها. ألم يكف كم الرفض والتضامن الذي أبداه إعلاميون وناشطون من هذه البيئة للتعرّض لأحد؟حزب الله، خاض معركة الجرود على السلسة الشرقية ليس لشيء، سوى لحفظ الكرامات والحريات، فيُتّهم وتساق الحملات ضدّه بسبب أرقام حملت صورة أمينه العام. بالمناسبة، كلفة هذا الأمر بضع دولارات ودقائق قليلة. الخلاصة هنا تكمن في تعامل بيئة المقاومة مع القناة في الأيام القادمة. كما كل مرة، يشتمونها ثم يعودون إليها بعد أول «جرعة حب» ترميها لصيدهم مجدداً. ألم يحن الوقت للمتضررين لأن يضعوا للقناة نقطة على آخر السطر؟