في ضربة حظّ من مارسيل غانم، ليلة العشرين من آذار (مارس) الماضي، ضمن برنامجه «صار الوقت»، وصلت المبالغ المُتبرَّع بها إلى «مستشفى بيروت الحكومي»، و«الصليب الأحمر» وأماكن صحية متفرّقة إلى 3 مليارات و200 مليون دولار. في تلك الليلة، قفز مصطلح «مليار» للمرة الأولى على شاشة لبنانية أي mtv، وأثارت الحلقة بعدها ضجّة كبيرة، أثنت على المتبرعين وفتح الهواء لأهداف إنسانية في زمن الكورونا. استساغت قناة «المرّ» اللعبة، فخصّصت بعد ثلاثة أيام، أي يوم الأحد الماضي، حلقةً جديدة من «صار الوقت»، كانت أقرب الى حفلة تبادل أنخاب، بين غانم وأصدقائه السياسيين وأصحاب المصارف والمصالح. في تلك الليلة، جلس رئيس مجلس إدارة القناة ميشال المرّ إلى جانب الإعلامي اللبناني، وبدأ يتلو على هاتفه أرقام وأسماء المتبرّعين، فكانت حلقة تصبّ بامتياز في بحر تعويم طبقة سياسية نبذها الناس خلال أيام الانتفاضة الشعبية.


تخطّت حملة التبرعات على قناة «المرّ» التسعين ملياراً

هكذا، انهمرت الدولارات من جيوب هؤلاء، وكيلت لهم حفلات الثناء والتلميع التي عادةً ما يتولاها غانم. حلقة لاقت اعتراضاً عالياً، صبّت أصواتها على السوشال ميديا، كونها أعادت إرساء البرنامج ومعه المحطة، إلى عهدهما السابق في التطبيل للطبقة السياسية ولأصحاب المصارف وكل من أسهم في تجويع الناس، وسلبهم أموالهم وذلّهم أمام المصارف. بعدها، راحت المحطة، تخصّص حتى في برامجها اليومية، سيّما الصباحية منها، مساحةً للتبرعات، وكان غانم يعود ويستكملها في حلقاته كل ليلة خميس. وصلت المبالغ اليوم ـ وفق ما تعلن عنه المحطة في أسفل شاشتها ــ إلى أكثر من 95 ملياراً. رقم تطول قراءته على الشاشة، عاد وأُرفق بأغنية أطلقتها المحطة قبل أيام بعنوان «mtv معك». كليب مقتضب توجّه فيه التحية إلى الطاقم الطبي والعسكري، وطبعاً، يعوّم المحطة كأحد الداعمين الأساسيين للقطاع الصحي. الاستقطاب الذي حازته mtv، في غياب أي منافس لها، دفعت «الجديد» إلى إطلاق حملة «صامدون» في نشرة أخبارها ليلة الخميس الماضي. جنّدت لهذه الغاية نيشان ديرهاروتيونيان، الذي قرأ الاستهلالية، بعدما كانت مهمته محصورة ببرنامجه «أنا هيك». الحملة تستهدف العائلات الفقيرة، وتولي لبعض الجمعيات، دوراً في توزيعها. هكذا، برز هاشتاغ «#صامدون» على يسار الشاشة، وذكّرنا بحقبة الاعتداء الإسرائيلي، وصعود أهازيج تتضمّن هذه العبارة. لم يكن اختيار صاحب «أنا هيك» عفوياً، مع ما يربطه من صلة وثيقة بالوجوه الفنية والإعلامية التي بدأت تظهر على «الجديد» ضمن لعبة التحدي، المأخوذة بالأصل في الوقت الحالي، عن تحدي النجوم المصريين في مساعدة الأسر الفقيرة. فقد خصّص نهار الأحد الفائت حلقة كاملة للتبرعات، ومعها مداخلات لعارضات أزياء، إعلاميين/ات، وفنانين/ات، وسياسيين... وإلى جانب المداخلات، حفلات إطراء بالجملة، يجيد نيشان صياغتها، مع إضاءة على الجمعيات المشاركة، وتسليط الضوء على أصحابها، كجمعية «دفا» لبولا يعقوبيان، و«داليا والتغيير» لداليا كريم، وغيرهما. كانت فرصة لإبراز هؤلاء بعدما علت أصوات تنتقد غياب الجمعيات الأهلية و«المجتمع المدني» في هذه الأزمة العصيبة. الرقم على أسفل شاشة «الجديد» لم يصل بعد إلى المليار، الذي كان سهلاً اصطياده في حلقة «صار الوقت». ومن الطبيعي أن يكون هذا الرقم هاجساً لدى المحطة، كي تكون في مصافّ المنافسة مع قناة «المر». أمر لم يغب عن نيشان الذي أشاد بما فعله زميله مارسيل غانم، الذي استطاع فعل ما عجزت عنه «دول« القيام به، فكان «أكبر من جمعية، وأكبر من وزارة...» على حدّ تعبير نيشان. طبعاً، هذه الحملات باتت مملّة على الشاشات، لما تفرضه على المشاهد من تعويم للوجوه والنجوم، والاضطرار لسماع أصواتهم كمناصرين للفقراء وللجائعين، عدا طبعاً الفذلكات التي تقوم بها الشاشات، وآخرها ليلة الأحد، عندما أسمت «الجديد» نشرتها المسائية بـ «نشرة الصمود»! وتحدّثت باسم «المقهورين» و«أعزّاء النفس»، مقابل اقتطاعها (مع قناة mtv طبعاً) جزءاً من رواتب موظفيها، في هذه الفترة الصعبة. مقابل هذا الصخب، كانت lbci، تطلق ــ قبل القناتين المذكورتين ـــ حملة «نحنا لبعض» عبر كليب صغير، يضم صوراً لصناديق كرتونية تحمل مساعدات عينية، ولوغو المحطة، من دون أن تُعرف وجهتها، أو حتى تقام من أجلها حملات دعائية، وتدخل فيها جمعيات وأسماء كما حصل مع mtv و «الجديد». أما otv، فكانت تكتفي بالإضاءة على جهود «التيار الوطني الحر» واعتبار الأخير من «الأنشط» في الحملات الإنسانية. تجنّدت القناة البرتقالية، لإبراز جهود نواب «التيار» والإضاءة على مبادراتهم خاصة في إيجار الفنادق في مناطقهم، كما حصل مع النائب سليم عون في زحلة، أو في زغرتا.
في الخلاصة، فيما يئنّ الشعب المسكين جوعاً، وينتظر مساعدات الحكومة التي قد تطول أو تكون غير كافية (إن وصلت)، تدخل القنوات اللبنانية على خطّ التبرعات، وتستعرض عضلاتها في الاستحصال على ملايين الدولارات، لتُصنّف على أنها شاشة داعمة للطاقم الطبي، وتنظر بجدية إلى أوضاع الناس المعيشية الصعبة. لا تغيب المنافسة الشرسة بين هذه المحطات، لحجز مكانة لها في خارطة الإعلام المواكب لوباء كورونا، واستقطاب الجمهور لهذه الغاية.