فرض فيروس كورونا المستجد معادلة جديدة بين الناس: الصحة أولاً. تحولت ساحات منصات وسائل التواصل الاجتماعي إلى معركة روادها أخصائيو التغذية، بينما ضحاياها هم عامة الشعب. استغل بعض من هؤلاء «الأخصائيين» هلع الناس وخوفهم على مناعتهم ووزنهم، فأصبحوا مروجين لأدوية وأعشاب وحميات «تحمي من كورونا»، بحسب ادعائهم. هؤلاء أنفسهم لطالما طرحوا في سوق التغذية حميات قاسية وغير علمية، أودت بصحة كثيرين وأوصلتهم لمشاكل كبيرة في بعض الأحيان.

بالعودة إلى ما قبل زمن كورونا، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة قوية من «التحديات» التي قادها أخصائيو تغذية. هذا «الترند» راج بين أصحاب الوزن الزائد، أو أولئك الذين لا يملكون علاقة سليمة مع أجسادهم. حميات اعتمدت على مناهج غريبة من «تجويع الناس». تعدى بعض أخصائيو التغذية على أسس مهنتهم، فامتهنوا استغلال «ضعف» ويأس الأشخاص أصحاب الأوزان الزائدة. فكانت منصات التواصل الاجتماعي مسرحاً جيداً لجلب الناس واللعب على عواطفهم. أدوية من دون استشارة طبيب، تشخيص أمراض أو طلب فحوصات مخبرية. وصل الحد ببعض هؤلاء إلى حقن الناس بأبر «للتنحيف» بشكل سري في عياداتهم، فضلاً عن وصفهم أدوية مدرة للبول من شأنها التأثير على الكلى وخسارة فيتامينات مهمة في الجسم.
«ترند التحدي» بين الناس بات لعبة على منصات التواصل، يستكملها الأخصائيون في عياداتهم، ممارسين «شعوذة» غذائية على أشخاص فاقدين لثقافة الغذاء السليم، ولاهثين خلف حلول سريعة للتنحيف.
أما في زمن الكورونا، فنوع آخر من «الشعوذة» بدأ يطال الناس: أدوية وأعشاب تمنع الفيروس. حملات إلكترونية يشنها الأخصائيون على الناس لاقناعهم بوصفات «تحصن جهاز المناعة». لكن في هذا المجال، محاربون من نوع آخر، قرروا التصدي للاحتيال، مطلقين حملات مضادة تهدف إلى توعية الناس والحد من تشويه سمعة مهنتهم. مجموعة من أخصائيي التغذية اجتمعوا على مبدأ واحد: الصحة ليست تجارة، وقرروا «استغلال» صفحاتهم الالكترونية بطريقة أخرى.
وفي التفاصيل، أطلق العديد منهم حملات بعنوان #الصحة_ليست تجارة و#جسمنا_مش_مزحة. عن الحميات الغريبة الموصوفة، تقول أخصائية التغذية، غنى صنديد، لـ «الأخبار» إنّها تعتمد إما على تقليص عدد الوحدات الحرارية بشكل غير علمي ومؤذٍ، أو الاعتماد على صنف واحد من الأكل كاللبن والخضار وغيرهما، فيخسر بالتالي الشخص وزنه بشكل سريع. لكن من شأن ذلك أن يؤثّر سلباً على الناس بشكل كبير. وتوضح صنديد أنّ الحميات غير السليمة والقاسية «تزرع الشك لدى الناس بالحميات العلمية والمعتدلة، فرؤية نتائج ضخمة كتلك التي يقدمها هؤلاء الأخصائيون، تفقد المطالبين بالأسس العلمية والسليمة، أهليتهم، بالنسبة لمريدي خسارة الوزن بشكل سريع». كما أنها «تلحق الضرر والأذى المباشر بصحة المشتركين لديهم من خلال خسارة العضل والمياه والمعادن والفيتامينات، فضلاً عن تكوين علاقة غير سوية مع الطعام ومع أجسادهم وشكلها». وتؤكد صنديد بدورها أن ما يعتمده الأخصائيون المذكورون يؤدي إلى «تنمية الاضطرابات الغذائية، خاصة لدى المراهقين مثل الأنوريكسيا والبوليميا وأمراض فقدان الشهية وغيرها».
من ناحيتها، تقول الأخصائية نادين الصميلي إنّ الحملة بدأت بمنشورات فردية، تحولت إلى صوت واحد لمجموعة أخصائيين. تعتبر إسماعيلي أنّ «الناس يتجهون إلى النتائج السحرية»، الأمر الذي دفع بعدد من الأخصائيين إلى «نشر الوعي والمعرفة حول حول حقيقة ما تعرضه منصات التواصل الاجتماعي».
أما أخصائي التغذية محمد الحسيني، فيشر إلى أنّ «الفكرة انطلقت من تزايد حالة الدعايات الكاذبة الهادفة إلى كسب الأموال خاصة في هذه الفترة»، مضيفاً أنّه «ثمة أسئلة كثيرة تدور في ذهن الناس حول حماية أنفسهم من فيروس كورونا المستجد وتقوية جهاز المناعة، الأمر الذي استغله بعض العاملين في مجال التغذية واعتبروه فرصة على حساب ضعف الناس».
وعن دور أخصائيي التغذية، دافعت هتاف زوين عن زملائها في المهنة قائلةً إنّ الحملة هدفها «تسليط الضوء على أهمية دور أخصائيي التغذية في عالم الصحة، في الوقت الذي تم حرف هذا الدور باتجاهٍ تجاري بحت من قبل البعض»، مؤكدة أنّ «دورنا ليس محصوراً بعدد الكيلوغرامات، بل هو مساعدة الناس على ممارسة الحياة بطريقة صحية». وتعلق زوين على البدانة قائلة أنّها «مرض مثلها مثل أمراض القلب والسكري وغيرها.. وبالتالي فهي ليست مادة للمزح والاستغلال».
في سياق آخر، حملة أخرى أطلقها هؤلاء، وزملاء لهم، بعنوان #جسمنا_مش_مزحة. فبالعودة إلى الحرية غير المحسوبة على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت صور تسخر من حالات الوزن الزائد بشكل كبير بين رواد هذه المنصات.
فقد تحوّل ملل الحجر الصحي إلى مادة تتناول زيادة الوزن، وأصحاب الوزن الزائد، بشكل ساخر ومهين. هذه السخرية هي «مزح وملل» للبعض، لكنها تحولت «تنمر» على البعض الآخر. «هذا المزح لا يمكن وصفه إلا بالسلبي»، يؤكد أخصائيو التغذية مطلقي الحملات المذكورة، منتقدين زملاءهم الذين شاركوا بموجات النكات هذه رغم درايتهم بتأثيرها النفسي على بعض الناس. كثيرون شاركوا في هذه الموجة غير مدركين أنّ استخدام صورة الجسد كوسيلة للضحك، قد يتحول إلى تنمر يؤذي أشخاصاً كثراً.
سيف منصات التواصل الاجتماعي، ذو الحدين، يؤكد مجدداً أنّه عالم «مجنون». عالم يستسيغه البعض لإيهام الناس بأنّ الصحة تباع وتشترى، مطلقين دعوات زائفة ومربحة. بينما اعتمده آخرون لتطوير مهنتهم، من خلال مدّ شبكات تواصل مع الناس لمدّهم بالمعلومات الصحيحة ونشر التوعية اللازمة بينهم.