ما زال من المبكر الحكم النقدي على مسلسلات رمضان، لكن لا يمكن مصادرة حق المشاهد بالحالة الانطباعية للحلقات الثلاث الأولى، هذا ما نسجّله على عدد من الأعمال السورية والمشتركة، خاصة أنها القول الفصل في الاحتفاظ بالمشاهد، أو إقصائه نحو عشرات الأعمال المنافسة. ومهما كانت الإصابة التي حققها كورونا في الموسم، تبقى هناك أساسيات لا يمكن التغاضي عنها، إضافة إلى أنّ عدداً من المسلسلات صوّر قبل الوباء.

لنفترض على سبيل المصادفة أن النجوم بسّام كوسا وسلّوم حداد وكاريس بشّار قرّروا بعد يوم تصوير متعب من مسلسلهم «سوق الحرير» (انتهى تصويره قبل يومين ــ كتابة حنان المهرجي، وإخراج بسام ومؤمن الملّا) حضور رائعة المعلّم الأميركي مارتن سكورسيزي «الإيرلندي» (كتب السيناريو ستيفن ذيليين ولعب بطولته روبرت دي نيرو وآل باتشينو). الملحمة التي تبني قوامها على عمليّة تنقيب ضمن عوالم الجريمة، وبحث مضن في كواليسها الخلفية، يعرف النجوم السوريون أنّها حققت إنجازاً متفرّداً. بالإضافة إلى قيمة الشريط، هناك مستوى التصميم الشكلي وتقنية تصغير الممثلين. لذا كيف سينظر نجوم سوريا إلى الصورة البدائية المنفرّة التي يطلّون بها في مسلسلهم الشامي، بعد تصغيرهم عشرات السنوات؟! الأكيد أنّ المقارنة غير مجدية، لكن صنّاع الفن في العالم وجدوا أنفسهم أمام حالة نموذجية، في ما يخص تصغير أعمار الممثلين، إلى درجة صار من غير الممكن الشغل على هذا التفصيل من دون التفكير في هذه التجربة. وعلى الرغم من أنّ المسلسل السوري تقف جهة إنتاجية كبيرة وراءه هي قناة mbc، إلّا أنّه يترك انطباعاً سلبياً منذ البداية. إذ يقدّم صيغة بدائية للممثلين في مراحل عمرية أصغر من أعمارهم الحقيقية، ضمن الحلقات التأسيسية للحكاية. كلّ ما فعلته المؤثرات والمكياج، هو صبغة شعر باللون الأشقر أو الأسود، وتقديم حالة شكلية مربكة للعمل، تخلق مسافة مع المتلقي! إذ لا يمكن للمكياج البدائي إقناعنا بأنّ سلّوم حداد أو بسّام كوسا في الأربعينيات من عمرهما، وقس على ذلك! علماً بأنّ صوغ الجاذبية في موسم التنافس، يبدأ من الشكل، والحالة البصرية، وحبكة حدث مشوّق يحتفظ بالمتابع، بعيداً عن الجوهر الحكائي للمسلسل، وماذا سيقّدم لنا من متعة خلال حلقاته. الحكم مؤجل حالياً! كان من الضروري أمام هذه الإمكانيات التقنية المتواضعة، أن يستعين المخرج بممثلين شباب، يناسبون المرحلة العمرية للشخصيات. وبعد تمرير الزمن يمكن لنجوم المسلسل تولّي أدوارهم، خاصة أنه سيقّدم على مدار أجزاء متتالية.
الأمر نفسه يبدو في مستوى كارثي إن غيّرنا البوصلة نحو أحد الأعمال التي تُنتج بتراب الفلوس. نتابع حالة شبيهة في مسلسل «يوماً ما» (مجموعة كتّاب وإخراج عمّار تميم). تنطلق القصة بطريقة تتطابق مع معطيات المسلسل المكسيكي الشهير «كاساندرا» وهروب طفلة من بيت أهلها ولجوئها للغجر في حدث صار قبل حوالى 25 عاماً. كل ذلك وسط حالة مزرية للظهور الشكلاني للممثلين، بعد تصغيرهم على طريقة الميزانيات المتواضعة، أي مجرّد صبغ الشعر باللون الأسود، لتكون النتيجة أن يظهر زهير رمضان شبيهاً بالعقيد أديب الشيشكلي، ويحار المشاهد إن كان الممثل الذي يتابعه مهنّد قطيش أم رامز الأسود بعد المكياج الكارثي!
في مقابل ذلك، ستشترك جميع الأعمال بعمليات التجميل، البوتوكس والفيلر المبالغ فيها، النفخ والابتسامة الهوليوودية، بدلاً من ردّود الفعل العميقة والتحكّم بعضلات الوجه.
أما في عالم الجريمة، فيترك «مقابلة مع السيّد آدم» (كتابة وإخراج فادي سليم ــ بطولة غسّان مسعود ومنّة فضالي ومحمد الأحمد) سؤالاً حول الأفلام الأجنبية التي أفاد منها، خاصة بشخصيّة المحقق، الصورة النموذجية للضابط المتفاني الذي يقدّس عمله ويبرع في تحليل الجريمة بذكاء خارق. كذلك، سيعيد التأمّل في فرضية تعامل الأهل مع طفلتهم المصابة بمتلازمة داون، وإن كانت ردود الفعل تجاه تصرّفاتها ستكون بمنتهى السعادة طيلة الوقت. ومع ذلك، المسلسل وجبة مشوّقة يمكن متابعتها بعناية، ونحن نرى تجسيداً أدائياً واعياً لغسّان مسعود، وهو يلعب دور أستاذ جامعي في كليّة الطب، كأنه أمضى حياته في هذه المهنة.
من جانبه، يؤدي مسلسل «أحلى أيّام» (جزء ثالث من أيّام الدراسة ــ كتابة طلال مارديني وإخراج سيف الشيخ نجيب) حتى الآن المطلوب منه، من دون ادّعاءات ومقولات. فهو يهتم فقط بتسلية المشاهد بوجبة كوميدية لطيفة تبدو أكثر نضجاً من التجارب السابقة، وإن كان يشوّش عليها أداء يامن الحجلي الذي يعتمد بصورة كلّية على المبالغة الزائدة والصراخ، وتكرار «الإفيهات» نفسها مع وقوع الحلقات الأولى في خطأ ضبط الزمن، عندما يترقّب (الممثل غسّان) في الإمارات وصول أصدقائه من دمشق، في الوقت نفسه الذي يتحضّرون فيه للسفر من مطار بلادهم!
من ناحيتها، توحي الدراما المشتركة حتى الآن بأنّها دون المستوى المأمول. في «الساحر» (سلام كسيري ومحمد لطفي)، بدا التأثر بوباء كورونا ظاهراً منذ الحلقة الأولى. ليس هناك ما يخلق الدهشة، ولا حتى أيّ مبرر لما سنشاهده لاحقاً، ولا تأسيس أو تمهيد لحكاية واضحة. صحيح أنّ عابد فهد يحلّق بمزاج المتلقي بأدائه لشخصية جديدة على تاريخه الحافل. لكن ذلك وحده لا ينقذ مسلسلاً. سيجيب بنفسه عن هذه الأسئلة في لقاء تلفزيوني عندما يقول إنّ مشاهد كثيرة لم يتمكّن الفريق من تصويرها. لكن اللقاء الأوّل له مع نجمة المسلسل ستيفاني صليبا لم يكن مدروساً. هناك حلقة ناقصة وفراغ واضح وخلل بالغ. لا يمكن للمشاهد أن يقتنع بجوهر علاقة ستخلق وتمتد عبر حلقات بين بطلَيْن إن لم تصله بذرة سليمة منذ البداية لهذه الحالة.
أما «النحّات» (بثينة عوض ومجدي السميري)، فيبدو حتى الآن مربكاً وتائهاً. لم يتمكّن من السيطرة على اهتمام مشاهديه! ثلاث حلقات أولى بطيئة. إيقاعها قاتل. رتيب. الصورة والجو العام كأنّنا في دراما الثمانينات، مع رشة رعب وترهيب خاوية. الخلطة شبه فارغة من الحدث والحبكة. لا يمكن الانفصال الكلي عن الزمن. والتوطئة في عشر حلقات بيضاء حتى يبدأ الحدث الفعلي. لا يحتمل المشاهد كلّ ذلك. وأيضاً باسل خيّاط ولو كان «نحّات» تمثيل، لكنّه سيعجز عن حمل مسلسل كامل على ظهره وحده! لعلّها أزمة الوباء أيضاً أخرجت المسلسل عن سكة البناء التراكمي وصياغة حلقات تمهيدية مشوّقة.
أما «حرملك 2» (سليمان عبد العزيز وتامر اسحق)، فيكسب هذه المرّة بحلقاته الأولى، مستفيداً من حرث مثمر سابق طيلة جزء كامل، وكوكبة من النجوم المحترفين. أوتوماتيكياً، لن يلحق به إلا من شاهد الجزء الأوّل. لذا لن يكون غريباً عن الأجواء، وليس بحاجة لأسباب إضافية كي يتابع، عدا عن أنّ العمل نُفّذ بشروط صحية وسليمة قبل انتشار كورونا. في الحلقات الأولى، يجدّد أحمد الأحمد (رسلان) براعته التي لفتت الجمهور في الجزء الأوّل. هذه المرّة، يبدأ باقتناص حصّته من الانتباه في مشهد تحرّشه بامرأة متزوّجة (نانسي خوري) في بيتها بعدما اعتدى عليها، فتختار له القصاص برشقه بالزيت المغلي. كذلك سيأسر كلّ من سامر المصري (هلال) وباسم ياخور (هاشم) المشاهدين في مشهد المبارزة في الخان، بعد طلب الأوّل من أخيه أن يطلّق زوجته بسبب سمعتها.
يبقى السؤال حول كلّ أعمال الموسم أو غالبيتها: أين الواقع السوري الموحش الذي يعيشه المواطن؟ لا غلاء أسعار ولا مشاكل مادية، ولا ظروف خدماتية متردية، ولا تهديد مرعباً بالموت من الحروب والمجاعات والتهجير، ولو مرور عابر لذلك في خلفية الحدث. وكأنّنا نتابع مسلسلات تدور أحداثها في بلد وزمان آخرين! كلّ شيء في الدراما غريب عن الحياة الموحلة التي نعيشها. سيظلّ السؤال عالقاً حتى تدخل فترة الإعلانات التجارية، ليطل فايز قزق وعبد المنعم عمايري ومصطفى المصطفى. يعتقد المشاهد أنّها لوحة من «بقعة ضوء»، لكنه سيكتشف سريعاً أنّ ثلاثة أجيال مسرحية متعاقبة تجسّد إعلاناً تجارياً للشيبس! لن تهمّه صورة الطبيب النفسي المغلوطة، ولا حتى الإخلال بقواعد الإعلان التجاري ورمي المنتج الذي لا يجوز رميه في إعلان مدفوع، لكن لعلّه سيكتشف من الحالة كلّها الجواب: القصة صارت مجرّد استرزاق. أما التفكير بأسلوب أعمق من هذا المستوى، فبات ترفاً بعيد المنال!

*«سوق الحرير»: سوريا دراما ــ mbc
*«يوماً ما»: سوريا دراما ــ روتانا دراما ــ لنا
*«مقابلة مع السيد آدم»: أبو ظبي الأولى ــ سما ــ لنا
*«الساحر»: أبو ظبي الأولى ــ سما
*«النحّات»: أبو ظبي الأولى ــ سما
*«حرملك 2»- لنا ــ mbc دراما
*«أحلى الأيّام»: لنا