يطلّ «بصّار» شهير في لقاء تلفزيوني نيّته تحقيق ضربة ربح ناجعة للمحطة، فإذا بالضيف يقلب الموازين، ويبدأ بسرد اعترافاته عن الكذب الذي مارسه طيلة فترة شهرته! تقطع المحطة البثّ، فيستعين بالسوشال ميديا، ليكمل روي الحقيقة قبل أن يتعرّض للاعتقال، ويخطف الزمن بضع سنوات إلى الوراء لنلاحق قصته من مرّدها الأوّل. إنها البداية من الذروة..

تفتح الفرضية الشهيّة لتقديم مادة غنيّة ومعاصرة، بعدما ازدحم الفضاء العربي بأشباه الشخصية التي يؤديها النجم السوري عابد فهد في مسلسل «الساحر» (كتابة سلام كسيري معالجة درامية حازم سليمان وإخراج محمد لطفي وعامر فهد). مينا الشاب السوري الذي يعيش يوميات بسيطة، يحتال على قتامتها ببراعة وذكاء، ليخلّص نفسه من مآزق الحياة المتلاحقة. يفتتح لنفسه محل تسجيلات صوتية ويعملDJ. يسكن رفقة بصّارة وابنتها. تقوده المصادفات ليلتقي بالسيدة الثرية كارمن (ستيفاني صليبا) وهي تتقفى أثر من يبرهن لها خيانة زوجها، يتقمّص دور البصّار بذريعة جمالها الأخّاذ، ويوهمها أنه يقرأ الكف، لتندلع شرارة علاقة وشراكة، تجعل السيدة تسدل له الستار عن عالم الكبار ليخترقه كمنجّم يسطع صيته في كلّ مكان!
الفكرة من ناحية جوهرها مغوية، لكن مجرّد وضعها في سياق التركيبة الدرامية، ستظهر ركاكتها، من دون قدرة صناّعها على تجاوز سلسلة من المطبّات، على رأسها تعافي الحكاية شبه التام من كلّ عناصر الإقناع. ربما تبدو مقارنة «الساحر» مع أي عمل آخر في غير مكانها، خاصة في الظروف التي رافقت تصويره، لكن المشاهد سيعود بذاكرته حتماً للثنائي فهد وصليبا في الموسم الماضي، وكيف التقيا مثلاً في «دقيقة صمت» (سامر رضوان وشوقي الماجري). خلافاً للحلول الذكية والمبتكرة هناك، سيبدو اللقاء هذه المرّة طارئاً، يشوبه الخلل، ولا يحتوي على المبررات الوافية. السيدة التي تتعقّب أثر نذالة زوجها، تملك كل المفاتيح التي تجعلها واثقة من كذبه ونفاقه، كما أن شخصيّتها من ناحية البنية النفسية وأسلوبها الحياتي، تخالف تماماً سلوك لجوئها إلى بصارة. بمعنى أن الشخصية تناقض نفسها بشكل صارخ، ومرجع ذلك غياب الوعي الكافي عند المؤلّفة. يبدو وجود شقيقتها في حياتها ضمن إطار الحكاية، مجرّد ديكور، بدون فعل حقيقي، إلى أن تحين لحظة إقحام حدث مفاجئ لها دون ارتباطه المنطقي بباقي مفردات القصة. وإن كان الحوار سيدّ الموقف في النص الدرامي، فالحديث الذي يدور بين كارمن ومينا للمرّة الأولى مجرد تجميع كلام. لا شيء يثير الإعجاب، ولا جملة لمّاحة تترك أثرها عند المتلقي، وسط قصور مطلق عن صناعة الدهشة التي يفترض أن يقطفها العمل منذ أولى حلقاته. كلّ شيء ناقص وتحديداً عندما يتعلق الأمر بعنصر الإقناع! حتى الرجل الذي لم يهتم يوماً بالأبراج، سيصير بضربة ساحر قادراً على قراءة الطالع والحديث المطّول في علم الفلك! الحبكة الضعيفة منذ المطلع، والتي تعتبر مدماك العمل، التأسيسي، ستكون سبباً لتسيير الأحداث على هذا المنوال المربك. الحلقة الأولى بدت ممسوخة بسبب غياب مشاهد «ماسترز» لم يتمكّن فريق المسلسل من تصويرها بداعي «كورونا». إلى ما بعد ذلك، ستبدو غالبية اللقاءات، والأحداث المتراكمة مصابة بعطب بنيوي، لاسيما أن الروايات الأقرب للحقيقة لبصاري ومنجم الواقع ربما تقول: أنهم مرتبطون بأجهزة استخبارات، وقوى خفية تمهّد لشهرة هؤلاء، بقصد التأثير المباشر في الرأي العام، والتوطئة لحلول أحداث كبرى. وفي سياق متصل لم تتمكن الصيغة الأدائية للممثلين النجاة بمصير المسلسل. يقدّم عابد فهد ما عنده. يمسك روح الشخصية عندما يرقّص السهارى، ويعدل مزاجهم. يتكئّ على تذوّقه الموسيقى وفهمه لها، لكنّه سرعان ما يفلتها مع تراجع متانة المادة التي بين يديه! تبدو صليبا في موقع جيّد من ناحية الثبات والعين المعبّرة. ومع ذلك فإن ظهورها في مطارح عديدة، لا يتجاوز شكل إعلانات متكررة لماركات عالمية ومفروشات مترفة، وسيارات فاخرة! ولأن ميزة هذا الموسم هو الصبغة باللون الأشقر، فقد اختير الشكل البرّاني لمحمد حداقي وهو يلعب دور سائق وصولي وانتهازي بشعر أشقر، ومنطق مبالغ فيه، مع أن مواصفات الممثل السوري من الناحية الشكلية لا تحتاج أيّ تعديل كي يتمّكن من إجادة مثل هذه الأدوار. وعلى الرغم من أن شخصية البصّارة في الحياة كبائعة وهم، تبرع بمد جسور مع هدفها، وتبدد أي مسافات محتملة مع الآخر، إلا أن الأمر يبدو مختلفاً بشكل جذري عند رشا بلال، الممثلة السورية الناشئة كأنها تقول في شغلها المتواضع أنها لم تلتق بصّارة من قبل! تطل هنا من دون إجادة الحد الأدنى للشخصية وهي اللهجة. أداؤها ينحصر بعدساتها الملونة ولهجتها الخائبة، تريدها بدوية، لكن لا تستطيع إكمال جملة واحدة بلفظ سليم!
بعد عرض الحلقة 16 وما قبل الأخيرة في الجزء الذي أتيح للفريق إنجازه، يمكن القول بثقة بأن تأجيل المسلسل كان حلاً مثالياً، مهما بلغت الخسائر المالية قد تكون أفضل من ظهوره بهذه السوية المهلهلة!
__
* «الساحر»: 21:00 على «osn يا هلا الأولى» ــ 22:00 على «أبو ظبي» ـــ 22:25 على lbci