لا يعنيني من ظلَم ستّي أم جبر. لستُ معنيّةً ههنا بأن أكتب حكايا وقصصاً عن أم جبر وكيف أنّها تبنّت أسرى عرباً، وجاهدت وكابدت وقاومت على طريقتها بشكلٍ يومي، منذ سنوات صباها وفتوّتها إلى اليوم الحالي. ما يعنيني في هذه اللحظة هو أن أصرخ وبأعلى صوتي: كيف يحدث هذا؟ تشبه ستي أم جبر فلسطين كما أعرفها وأراها. أصلاً كل نساء فلسطين، اللواتي كما يقول محمود درويش «تزيّن مشمشهن بالخريف»، هنّ فلسطين بالنسبة لي. ستي «سودة» التي أصبحت معروفة بعد كتابي عنها، القاسية اللطيفة، الحنونة لكن على طريقتها، تشبه جبال النار قرب رام الله. ستي أم علي، الحكائية البسيطة، المبتسمة التي تحبّ الجميع، كل الكل؛ هي فلسطين السهل الممتد، والبحر على أشده. لكن ستي أم جبر «غير». لماذا أقول وأكرر «ستي»؟ لأنّنا تربينا على أنّ أي امرأة في هذا العمر، هي «ستنا»، هي «ست»؛ أي سيدة مقدّرة، كبيرة المقام ومحترمة. فكيف إذا كانت قد جدلت فلسطين في حياتها، وسربلت عمرها بالنضال ضد المحتل؟

«حَيّدْ عن الجيشِ يا غْبِيشي» هي واحدةٌ من أشهر أغاني الثورة الفلسطينية، غنتها امرأة في عقدها الخامس من العمر، وانتشرت من دون أن تشتهر هذه المرأة التي فضّلت أن تكون مجهولة الهوية، وأن تصبح كلماتها التي غنّتها لتُنقِذ «غبيشي» من المُخبرين والمحتلين. لم تغنِّ ستي أم جبر؛ لم تكن بحاجة لذلك، كانت تخبز كل يومٍ حكاياتها، وتقصّها علينا كلنا سواء كنا بجوارها، أم كنا بعيدين عنها. كانت ستي إم جبر تجبر العالم بأكمله على السماع من خلال صلابتها وقوّتها. يوم صرخت بالقاضي الصهيوني الذي حكم ابنها مدى الحياة «يا خنزير». كانت هذه أكبر شتيمةٍ تعرفها هي؛ فمثلها لا كلمات في لغتها سوى الطيبة والسماح. الصلابة تحصيل حاصل، فهي مثل ذات الأرض قوية ثابتة.
قبل أيام، مدّ أحدهم يده صوب ستي؛ لم أستطِع مشاهدة الصور التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي. عدتُ في اليوم التالي وشاهدت فيديو الحادثة، وفيديو آخر لابنتها وهي تخاطب الناس من جانب سرير ستي أم جبر، ثم صورة ليدها المدبّغة من تأثير حماقة الاعتداء. تمنيت لو أنّ يدها تصبّغت من قطاف الزيتون، أو فرط الرمان، أو تلوّنت من تراب الدار وهي تغرس بذور الفاكهة. كانت جرعة ألم مركّزة بالنسبة لي. لم أستطِع أن أكتب شيئاً. كيف أشرح لستي أنّ «اللايك» لا يفيد، وأنّ الكلام في كثير من الأحيان لا يؤثر؟
لكن السؤال الأهم الآن هو: كيف يمكن لأيّ كان أن يضرب ستي أم جبر؟ أو أي ستّ من جداتنا المخلصات والصابرات؟ ألم يتربَّ هذا الأحدهم في ذات البيوت التي تربينا فيها؟ ألم تغمره ذات الأمهات والجدات بذات العطف والحب؟ ألم يستيقظ صباحاً على رائحة خبزها وقهوتها؟ ليس الأمر شِعراً، لكن هذا صباحنا فعلاً. هل جرّب مشاهدتها وهي تركض خلف دجاجاتها لتحضر فطوراً صباحياً من قلبها؟ إذا كانت إجابته بنعم، فكيف يمكن لقلبه أن يفعل هكذا؟
لا إجابات لديّ. لا إجابات.
لا أعلم قدر الوجع الذي تعاني منه ستي أم جبر، لكنني أتخيّل أنني لو جرّبت أن أخفف عنها وأقول لها بأنها قوية كالصبّار، سترد عليّ بأن خُلق الصبّار ليعاند المحتلّ وليس ابن البلد. لا أعلم، لعلّي سأجيبها بكلمتين عفويتين من القلب: «سلامتك يا ستي، تزعليش مننا، يمكن هاي لعنتنا، ويمكن ما عم نعرف نستاهل هالأرض».