أحيا «بانوراما النصر» على قناة «المنار» أمجاد تموز. أعاد البرنامج المشاهدين 14 عاماً إلى الوراء. إلى تلك الليالي المضنية التي أجهضت بصمود المقاومة وشعبها «جنين» الشرق الأوسط الجديد. الحلقتان الأساسيتان اللتان توّجتا البرنامج كانتا مع المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل. واءمت المقابلة بين الشقَّين السياسي والوجداني للحرب، بين دور سوريا في الانتصار والشريك الداخلي لها، باستعراضها الرسائل التي جرت بين السيد حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، والهدية «الوجدانية» (الفواكه) التي قدّمها الأخير للأمين العام. استذكر الخليل خلال المقابلة الفصول السياسية السوداء لعدوان تموز 2006، مستعرضاً أبرز المواقف المحلية التي وضعت المقاومة في «جبهة» داخلية من نوع آخر. لعلّ أهمّها مواقف رئيس الحكومة اللبنانية عامذاك فؤاد السنيورة التي خبّأها إعلاميّاً خلف دموعه السمجة، وعرّتها تصريحات الخليل.

استطاعت الإعلامية منار صبّاغ التي تعدّ وتقدّم البرنامج أن تُقدّم شيئاً جديداً حول خفايا الحرب السياسية، رغم مرور كلّ هذه السنوات. لكن الحقائق التي تكشفّت خلال المقابلة، وكان بعضها معروفاً، دفعت المتابعين إلى الشعور بالحسرة مجدّداً، على تاريخ لم يُكتب بحقّ... على دماء قد تجّف، من دون أن يخلّد ذكراها قلم، على حقّ مقاومة قصّرنا تجاه تأريخها جميعاً. ما كان قاسياً على سماعنا أكثر هو العبارة التي ردّدها الخليل أكثر من مرّة خلال المقابلة، بعفوية، أثناء سرده الأحداث حين كرّر «إذا ما خانتني الذاكرة». هذا يضعنا أمام تساؤل جديّ حول الدور الذي لعبته قيادة المقاومة في توثيق أحداث حرب تموز، على الصعيدَين السياسي والعسكري في الجبهات، ومدى خطورة أن تخون ذاكرة من عايش تلك الأحداث. مواقف استذكرها الخليل جرت تحت خطر الطائرات، بين مداخل الأبنية وتحت الأرض، في منتصف الليل على ضوء الشموع وفي وضح النهار، حيث تشابه سواد الليل مع تآمر الخصوم. هي مواقف رسمت بلا شك حدود لبنان.

موسوعة حول الشهيدين السيد عباس الموسوي والشيخ راغب حرب


منذ تحرير جنوب لبنان عام 2000، ونحن نتوق إلى سماع قصص المقاومين ويومياتهم. التحدّيات التي واجهتهم. من شارك في قتلهم عمداً، ومن وضع يده في يدهم للدفاع عن لبنان. يولي حزب الله اهتماماً لقصص الشهداء. تهتمّ جمعية «إحياء التراث المقاوم: آثار الشهداء» مثلاً بمثل هذه الروايات. ويُعمل في سياق متوازٍ على صناعة بعض الأفلام والوثائقيات حول العمليات العسكرية للمقاومة، أو حول انعكاس الحرب على الداخل الإسرائيلي، أو تلك المقابلات التقليدية مع عوائل الشهداء. لكن الجهد الذي تبذله قيادة الحزب في أرشفة تاريخ المقاومة لم يرقَ إلى مستواها بعد. قوّة بحجم مقاومة، غيّرت معالم الشرق الأوسط، تستحقّ أن يضع المعنيّون فيها قضية توثيقها ضمن خططهم الاستراتيجية، وأن يُعمل على وضعها وتنفيذها قبل فوات الأوان. تاريخ هذه المقاومة هو أساس بناء وعي الجيل الجديد الذي يواجه حرباً فكرية طاحنة، تمهّد للتطبيع وتجعل من الحياد «وجهة نظر» قابلة للنقاش. كنا صغاراً، حين ظلّلتنا قصص المقاومين التي سمعناها «صدفة» من أصحابها، بعدما رأينا في وجوههم آثار الجراح. رواية التحرير يتيمة، لم يشأ لها أن تولد في لبنان، ولم يخبّئ السيد نصر الله أساه تجاه توثيقها حين قال «مقصّرون» في ذلك. بعض جراح المقاومين دُفنت معهم. لا مشاهد عن تجاربهم سوى في ذاكرة من عاشها. لم نسمح لتلك الذاكرة أن تُكتب، أن توّثق للأجيال القادمة تاريخ لبنان الحقيقي، من دون أن يلوّثه إعلام مسيّس أو سياسة قذرة.
تعمل قيادة الحزب على التحضير لإطلاق موسوعة حول الشهيدين السيد عباس الموسوي والشيخ راغب حرب، تتضمن سيرة حياتهما الذاتية وخطبهما ومقابلاتهما. وميزة تلك الموسوعة أنها معلومات موثقة ومحقّقة. لكن ماذا عن السيد نصر الله الذي يعيش في ظروف استثنائية ومختلفة لم تحدث مع أي قائد في العالم من قبل؟ هل يكتب السيد مذكراته، أم هل يدوّن من حوله يومياته؟ هذا ليس تفصيلاً في الحرب. هذا جزء من التاريخ الذي نتحمّل مسؤولية كتابته. كذلك على مستوى الأفراد، وبذات الأهمية، وليس القيادات فحسب، هل يستصرح حزب الله جميع الذين شاركوا في عمليات تحرير الجنوب وحرب تموز والحرب مع التكفيريين لتوثيق هذه الأحداث قبل فوات الأوان؟ قبل أن تخونهم الذاكرة، وقبل أن تُدفن مع من عاشها، كما دُفنت بعض قصص «رجال التحرير» معهم. كلام قاسٍ لكنه ليس تفصيلاً. هذا واجب محتّم. نوجهّه إلى من اختلطت عليه الأمور حول دماء أطفال قانا، وركام الضاحية، وجرح البقاع، وراح يُطلق العنان لأمنياته بـ«الحياد». إلى الذين تآكلوا على موائد السياسيين المتآمرين ذُلاً، ورقصوا على جثث أطفالنا بحثاً عن «السلام». إلى كتب التاريخ العقيمة، التي تُمنع من أن تنصف المقاومة أو أن تذكر لها دوراً. إلى من يعمل على تأليف الناس وتأطيرهم في بوتقة المجتمعات كما يريد. إلى هؤلاء جميعاً. لا يمكن لهذه الهوية أن تضيع، ولا لتضحياتها أن تضام. ألا ينسجم ذلك مع إيديولوجيا حزب الله، في أكبر قضية تخصّه وهي قضية «الحسين» التي وثقها «إعلام زينب»؟ الشعوب التي لا تستطيع أن تعبّر عن هويتها سرعان ما تواجه أزمة هوية في صراع الحضارات. والتاريخ «أسلحة مدوَّنة على أجسادنا» (محمود درويش). لم نكتب تاريخ المقاومة؟ لأجيالنا القادمة، لتُنقش قصصها في وعي أطفالنا، كما دمغت جروح المقاومين أجسادهم. للحفاظ على هوية لبنان كي يبقى الوطن.